جمهورية جورجي

الكاتب : فتحي فوراني

كان الأستاذ جورج نجيب خليل رحمه الله من مؤسسي المشهد الثقافي بعد عام 1948، ومن أوائل الشعراء الذين أصدروا دواوينهم الشعرية (على الرصيف. ورد وقتاد). وكانت تربطني به علاقة حميمة. زيارتي المتكررة له في عبلين لن أنساها. وقد كتبت عنه كلمة ألقيتها في حفل تأبينه في قاعة الرشيد في عبلين تحت عنوان "جمهورية جورجي".

جمهورية جورجي
جمهورية جورجي

الزمان: الستينات من القرن الهارب!

المكان: ناصرة العروبة والمد القومي والأحلام الجميلة.. ناصرة الناصري والناصريين، بمساجدها وكنائسها، وناسها الطيبين! كلهم في الهمّ شرق! همّ واحد وحزن واحد وفرح واحد وحلم واحد!

الناصرة مدينة صغيرة/ قرية كبيرة تطمح لأن تكون مدينة!

الناصرة حصيرة صغيرة واحدة يتربع الأهل والإخوة حول مائدة واحدة.. ويأكلون من صحن واحد!

يتقاسمون الخبز والحزن والفرح والأمل بطلوع الفجر!

أعياد الميلاد وأعياد رأس السنة.. أعياد وطنيّة!

أعياد الفطر والأضحى. أعياد وطنيّة!

الناصرة.. عائلة واحدة! تظلّلها سماء زرقاء واحدة!

الدنيا بخير! الدنيا بألف خير!

ناصرة السّتينات.. عاصمة يخيّم عليها ليل الحكم العسكري.. ليل القهر.. وبقايا شعب خرج لتوّه من ليل المأساة.. فوجد نفسه يحترف الغربة والعذاب في وطن آبائه وأجداده.

ناصرة السّتينات عاصمة ثقافية وسياسية، وكعبة تؤمها الوفود من جميع أنحاء الوطن النّازف..أجيال صاعدة من بين الأنقاض.. ترفض الموت وتأبى إلا أن تنتمي إلى الحياة وتواصل المسيرة نحو الفجر القادم حتمًا..

طلاب جاؤوا من جميع أرجاء الوطن.. من عرابة وسخنين ودير حنا وعيلبون والمغار وكوكب أبو الهيجا ونحف والبعنة ودير الأسد ومجد الكروم والريحانية وطمرة وكابول وطرعان وكفر كنا والرينة والمشهد وعين ماهل وإكسال ودبورية ونين وصندلة ومقيبلة وزلفة وأم الفحم ومصمص وعارة وعرعرة وكفر قرع وباقة الغربية وجت وقلنسوة والطيبة وطيرة بني صعب وجلجولية وكفر قاسم وأبو غوش وقرى بئر السبع يضاف إليهم الصاعدون لتوهم من بين أنقاض النكبة في صفورية والمجيدل ومعلول وحطين..

هؤلاء تقاطروا إلى الناصرة وفودًا وفودًا، لكي ينهلوا من ينابيعها العلمية..في عيونهم عطش قاتل وشوق متأجج وفضول وتحد وإصرار فولاذي يتحدى ليل القهر وغزاة العصر..

نحن هنا ! نحن هنا! وليذهب منظرو الحطابين وسقاة الماء إلى متاحف التاريخ أو..إلى حيث ألقت!

فالنكبة من ورائنا ..واللوبرانيون أمامنا..وليس لنا ولله إلا أن نمتشق سلاح العلم..ونخوض المعركة الثقافية..معركة المستقبل!

وليكن..خطى مشيناها كُتبت علينا..

وليكن ابن الوردي حاديًا للقافلة..ولننقش على راياتنا الشامخة:

في ازدياد العلم إرغام العدى وجمال العلم إصلاح العمل

**

في الناصرة نلتقي طلابًا يتدفقون طموحًا..جاؤوا من قرية نسمع بها لأول مرة..ويجري على ألسنتهم اسم نسمع به لأول مرة!

من هؤلاء الأحبة: جودي سابا حاج وموريس حبيب وأمين زيدان وأديب أبو غنيمة وسمعان عزيز دعيم وموسى عودة عواد وفرج نور سلمان وعكرمة نور سلمان وجريس سابا جرجورة وعيسى عبد الله الريا وحنا عويّد وآخرون.

ويكون الأستاذ شوقي حبيب (من طليعة خريجي التخنيون) شابًا لا تسعه الدنيا..شابًا يتدفق عطاء وحيوية..ويكون معلمًا للكيمياء ثم مديرًا للمدرسة الثانوية البلدية..ويا أرض اشتدي!

ونستلطف فيه مشيته الرياضية/العسكرية التي تشع طموحًا وعنفوانًا وكبرياء!

هؤلاء يتبوأون في قلبي وذاكرتي مكانة دافئة أعتز بها ولن تزول ما حييت..

**

وتدور عجلة الزمان..فأتعرف على المئات من أحبتي في هذه القرية أصدقاء ومعارف وطلابًا وأهلا يربطني بهم العيش والملح..وعرى وثيقة لا أوثق منها ولا أمتن!

أعرف في ما بعد، من الأحبة الأوائل، أنهم جاؤوا من قرية اسمها..عبلين!

وفي الآن ذاته..أسمع منهم لأول مرة عن الأستاذ جورجي!

هكذا كانوا ينادونه تحببًا..فتلمح في عيونهم بريقًا متوثبًا..وتحس في أصواتهم نبرة من الخشوع والتقديس والإباء لانتمائهم إلى جمهورية صغيرة اسمها "جمهورية جورجي"!

بالنسبة لهم..هو الهوية الثقافية وهو المثل الذي يحتذى به والمنارة التي بها يهتدى..وهو العلم الذي تهتدي به الأجيال والبراعم التي تتحدى ظروف القهر وتسعى لاستنباط الماء من الصخر!

تأتي هذه الأجيال إلى الناصرة وفي قلوبها يسكن إنسان متواضع اسمه جورج نجيب خليل!

في تلك الفترة، نقرأ أول ما نقرأ من شعره، مطولة تدل على نفس شعري طويل نعرف من خلالها شيئًا عن هذه القرية الطيبة الرابضة في مكان ما على صدر جبل من جبال الجليل.

إنها ماثلة أمامي..على امتداد صفحة كاملة في الناحية اليمنى من إحدى الصحف المحلية. ونقرأ، على ما أذكر، قصيدة من الشعر الحديث..شعر التفعيلة، جاء في مطلعها:

بلد عريقْ

لكن يعيش بلا طريقْ

فيه الشباب الناضجونْ

ألأذكياء النابهونْ

فتنوك إذ يتحدثونْ

لكن قريتهم تئن ولا مجيبْ

وتقول: دائي قاتل..أين الطبيبْ؟

وعلا النحيبْ

من دون أن تحظى برحمة راحم يطفي اللهيبْ!!!

أو ليس فيها من له قلب رقيقْ؟؟؟

بلد عريقْ

لكن..يعيش بلا طريقْ!!!

**

"من على منابر قريتي"- 1976-2001 تم تدشين الشارع بتاريخ 13-11-1957 وبهذه المناسبة نظمت هذه القصيدة.

**

أعرف أن هذه القرية مقطوعة عن الدنيا..كباقي القرى العربية..ويزداد تقديري للطلاب الذين يتكبدون مشاق السير والسفر..وأتخيل درب الآلام التي يقطعونها حتى يصلوا إلى منابع العلم والمعرفة في مدينة الناصرة.

وتكون هذه الأبيات شرفة أطل منها على عالم الشاعر..وعلى دولة الشعر الصغيرة، التي يقف على رأسها الأستاذ جورجي!

وفي صحراء التيه والضياع والقحط الأدبي ..تتفتح عيوننا كطلاب ثانويين..على "ورد وقتاد" و"على الرصيف" . ونبدأ نمسك بطرف الخيط. ويبدأ يتخلق وعينا على شيء اسمه "الشعر المحلي" ، ولم يكن في قاموسنا المدرسي شيء اسمه "الشعر الفلسطيني". فكل ما أريد لنا أن نعرفه كشعب منكوب أن نطوي "صفحة الماضي" الذي ما زال موغلا في الحاضر..أن نمشي على جراحنا..وأن نغني "في عيد استقلال بلادي.. كيف يغرد الطير الشادي وكيف تعم الفرحة البلدان حتى السهل والوادي"!!

كل ذلك في عيد استقلال بلادي ..والناصري ينزف دما في وطنه وفي مخيمات التشريد في المنافي العربية!

**

وتدور عجلة الزمان..نتعرف على الأستاذ جورجي..قلعة من قلاع اللغة العربية. تتعزز العلاقات بيننا ونكتشف هذا العالم الصغير الممتلئ ألوانًا وسهولًا وجبالًا وينابيع..والكثير الكثير من أقواس قزح!

إنه عاشق اللغة العربية والرحالة الذي يجوب غاباتها ويسلط الضوء على الحجارة الكريمة النائمة في مناجمها..وعلى أزاهيرها ودقائقها والعطور التي تضوع منها والمواقع التي لا ترى بالعين المجردة وتحتاج عين ثاقبة لحارس ماهر من حراس اللغة العربية..ويكون الأستاذ جورجي لها! ويكون راهبًا في معبد الخط العربي ..ويقضي ساعات يصلي لهذا الخط ..ويقيم له التماثيل!

ويكون مطربًا..فيغني للجمّال الذي يسري في فلاتها باحثًا عن واحة خضراء..ويحدو القافلة!

وإذا كان أهل مكة أدرى بشعابها..فقد عرفوا من يولون عليهم في مرحلة تاريخية معينة..ويكون الأستاذ جورجي راعيًا يقف على رأس الهرم ورأس الهمّ في هذه القرية الوادعة. يأبى إلا أن يكون خادم القوم..فخادم القوم سيدهم!

فنعم الخادم ونعم السيد!

ويظل أبو أنور مصدرًا يوزع النور على الأجيال الصاعدة ومنهلًا تعبّ منه هذه الأجيال ..تعبّ تعبّ فلا ترتوي ..ولا تتعب!

يبني دولة الكتاب الصغيرة..مواطنوها أبناؤنا المتعطشون إلى العلم والمعرفة..ويكون بيته الصغير عالمًا كبيرًا وكعبة يؤمها كل من عرفه فأحبه فزاره..وأصبح من مريديه..

وفي هذا الزمن الذي يطل فيه أبو جهل وأبو لهب وقيس ويمن وعبس وذبيان وأبو لؤلؤة ويهوذا الأسخريوطي وبروتوس وكافور..يقودهم أنبياء كذبة..يتسللون إلى خشبة المسرح..ويحتلون المشهد..ويتألقون في براعة التمثيل!

في هذا الزمن الذي ترتدي فيه الجاهلية والعصبية القبلية ثوبًا عصريًا..تتجلى فيه الحداثة بأبهى مظاهرها!

في هذا الزمن الذي يختلط فيه الحابل بالنابل ..فتسقط ليلى شهيدة..ويعلق قيس على أعواد المشانق..ويطلق الرصاص على صدره وشعره..ويصبح برج بابل سيد الموقف..

في هذا الزمن الذي يتحول فيه الوطن إلى قفص يقتتل فيه الديوك الإخوة..كل ديك على "منبره!" صياح..وكل قوم بما لديهم فرحون ..والمتفرجون يتفرجون ويصفقون!

في هذا الزمن العبثي..يظل حبيبنا جزيرة خضراء متواضعة..سماؤها زرقاء صافية..في محيط تسيطر عليه الأمواج الشرسة والأعاصير النرجسية والازدواجية التي تخفي الكثير الكثير من العقد النفسية التي تستحق دراسات علمية أكاديمية تحتاج إلى طاقم كبير من الباحثين والدارسين المتخصصين للإحاطة بها إحاطة شاملة..

في مثل هذا المشهد العبثي الذي يسقط فيه العديد من القيم والثوابت الأخلاقية الأصيلة..يظل صاحبنا قابضًا على الجمرة..محافظًا على نقاء الكف ونقاء الضمير..ويظل مملكة للعطر..يقف الضمير على بوابتها حارسًا أمينًا وعينًا ساهرة!

ويظل شعبنا الذي طاعن ويطاعن خيلًا من فوارسها الدهر..شعبًا أصيلًا يعرف بذكائه الفطري وبوعيه الذي صقلته الليالي ..يظل شعبنا شعبًا وفيًّا يعرف كيف يكرم النبي في وطنه..ويعرف كيف يضع الورد على صدور الذين احترقوا لكي يضيئوا الطريق أمام الأجيال الصاعدة نحو الأروع!

وكأني بأبناء هذه القرية الطيبة يقولونها بفخر وكبرياء..يكفينا فخرًا أننا ننتمي إلى هذا القرية التي اطلعت الأستاذ جورج نجيب خليل.

ويكفينا فخرًا أننا عاصرنا هذا الشاعر الذي كان من الرواد الذين وضعوا هذه القرية على مكان بارز في خارطة الشعر والوطن والمعرفة.

يكفينا فخرًا أننا مواطنون في "جمهورية جورجي"!

إنه شاهد على مرحلة..وشريك في بناء مرحلة..ورمز لمرحلة..وحارس أمين للحرف العربي الجميل..واللغة العربية الجميلة!

*