تلك التي لا تسقط أبدًا

الكاتب : د. ميشال أ. عبس - الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط

من جديد، ومثل كل عام، يطل علينا أسبوع الصلاة من اجل الوحدة حاملا معه وعود تلاقٍ ومحبة تنضح من لقاء من اعتنقوا ايمان الفادي الحبيب الذي لم يستطع أحد ان يزيد على رسالته الخلاصية حرفاً واحداً.

تلك التي لا تسقط أبدًا

 يلتقي المسيحيون كل سنة، في كل اصقاع المعمورة، حول نص جمعته ونظمته مجموعة من المؤمنين الذين قرروا تخطي الفروقات المذهبية والاجتهادية والعمل من منطق كنيسة المخلص الواحدة الاحدة، تلك البيعة الدهرية التي بناها على الصخرة، والتي، رغم الاضطهادات والتنكيل والتعذيب ومحاولات الإبادة بقيت عصية على الفناء، كما السيد الذي لا فناء لملكه.

ينتج المسيحيون كل سنة نصا كتابياً، مدروساً وحسن التنسيق، يترجمونه الى كل لغات العالم، ويعممونه على المؤمنين، من اجل ان يتحلقوا حوله كعنصر جامع للأفئدة والعقول والتطلعات وقواعد السلوك في الحياة اليومية، مع القريب والبعيد.

هذه السنة اتى الخبر الطيب والنص المبارك من جماعة "الدرب الجديد" في بوركينا فاسو، في الغرب الافريقي، تلك القارة المفعمة بالإيمان والتي يبذل مؤمنوها الغالي والنفيس في سبيل الحفاظ على ايمانهم ونشره وموضوعه «أحِبَّ الرَّبَّ إلٰهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ، وَبِكُلِّ نَفْسِكَ، وَبِكُلِّ قُوَّتِكَ، وَبِكُلِّ فِكْرِكَ، وَأحِبَّ قَريبَكَ مِثلَمَا تُحِبُّ نَفْسَكَ» (لو 10: 27).

 ومثل كل سنة، تقوم دائرة اللاهوت والعلاقات المسكونية بنقل كتاب الصلوات من اجل الوحدة الى اللغة العربية وتضعه في متناول المؤمنين في العالم العربي، او الناطقين بالعربية في كل انحاء العالم.

اما الموضوع الذي اختارته المجموعة التي انتجته فيتمحور حول امر "خطير جداً"، حول تحدٍ طرحه السيد على الجنس البشري خلال وجوده الأرضي والذي، بعد الفيتين، لم يستطع احد تخطيه او المزايدة عليه: المحبة!

بقدر ما تبدو لنا، تلك المحبة، سلسة وسهلة، بقدر ما هي صعبة وتشكل تحدٍ ونقلة نوعية في التاريخ الإنساني. الصعوبة تكمن في الانا القاتلة، في نظرة الانسان الاستخفافية الى الغير، في عدم احترامه وفي مس كرامته وفي التعدي على حقوقه وحتى في القضاء عليه.

 منذ بداية الدهر والإنسانية مغرقة في انانية جامحة، تفتك ببعضها البعض من اجل بعضٍ من فتات هذا العالم، وتكدس الثروات وتكثر المقتنيات على حساب بعضها البعض. كيف يمكننا تفسير كل هذه الفتوحات والحروب والاحتلالات، على الصعيد العام، وهذه النزاعات، حتى بين افراد الاسرة الواحدة او المجتمع الواحد، على الصعيد الخاص، لولا هذه الانا القاتلة؟

حتى علاقتنا مع الخالق، باري الخليقة ومنظم حياتها، فإنها لا تخلو من الانانية الفردية القاتلة اذ تتحول علاقة عدد كبير ممن يظهرون الورع، الى علاقة مطلبية مع الخالق.

هنا تطرح هذه الآية التحدي الاكبر على الانسان: ان يحب الرب وان يحب قريبه مثل نفسه. هنا تساوي الآية بين محبة الانسان لنفسه ولربه ولقريبه، وهذه ذروة الايثار وذروة العدالة اللتين تتطلبان تهذيبا للذات وترويضا للأنانية الجامحة.

تحمل هذه الآية في معانيها قيمة أساسية من قيم التماسك والانسجام الاجتماعيين، والجدير التذكير به، خصوصا لكا من ضلوا السبيل ويتنكرون لإيمانهم، ان سلم القيم هذا، الذي وجد ذروته مع السيد المتجسد، هو أساس الحضارة الحديثة التي نشهد هجوما عليها اليوم في بعض الأوساط في بعض المجتمعات في العالم.

يأتي أسبوع الصلاة من اجل الوحدة هذه السنة ومجلس كنائس الشرق الأوسط قد بلغ من العمر خمسين عاما، اذ انه تأسس، في شكله النهائي الحالي، في شهر أيار من العام 1974، ولقد اعد فريق العمل، بتوجيه من قيادات المجلس المتمثلة بالرؤساء واللجنة التنفيذية، برنامجا متكاملا يغطي السنة 2024 كلها وصولا الى بداية السنة 2025، سنة اليوبيل الـ1700 لمجمع نيقية.

البرامج التي أعدها فريق عمل المجلس، لسنة يوبيله الخمسين، تهدف الى دفع التفكير المسكوني قدما كما الى طرح تطلعات جديدة للمجلس والحركة المسكونية في الشرق الأوسط. بعيدًا عن النزعة الاحتفالية والبهرجة، سوف تكون سنة تفكير وتفاعل وتحديات ورؤى مستقبلية.

 لقد اتخذ المجلس الآية “ولمّا جاءَ اليومُ الخَمسونَ، كانوا مُجتَمعينَ كُلّهُم في مكانٍ واحدٍ"، (أعمال الرسل 1:2) للدلالة على ان كنائس المنطقة التي نشأ فيها السيد ونشر رسالته وانتصر بقيامته، هي متحدة في سنة "عنصرتها". 

سوف نعمد، في وقت ليس ببعيد، الى نشر برنامج نشاطات السنة الخمسين للمجلس لكي يكون في متناول الجميع ولكي يشترك في تلك النشاطات من أراد ومن وجد الى ذلك سبيلا، اذ انها سوف تكون في أماكن عديدة من الشرق الاوسط.

في السنة الخمسين لتأسيس الكيان الجامع لكنائس الشرق الأوسط، كنائس المشرق الانطاكي ووادي النيل، تلك الكنائس التي تباعدت وتغربت عن بعضها البعض، نقول ونؤكد ان المجلس الذي يشكل الموئل الجامع لها، سوف يبقى على العهد، عهد العمل من اجل الوحدة، وحدة الكنيسة ووحدة المجتمعات التي تنتمي اليها هذه الكنيسة، في رباط محبة مع كل أبناء امتنا، لسبب وحيد هو ان "اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا. وَأَمَّا النُّبُوَّاتُ فَسَتُبْطَلُ، وَالأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي، وَالْعِلْمُ فَسَيُبْطَلُ" (1 كو 13: 8).