تجربة يسوع في البرية - مرقس ١: ١٢-١٥

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا

١٢ وأَخَرجَه الرُّوحُ عِندَئِذٍ إِلى البرِّيَّة، ١٣ فأَقام فيها أربَعينَ يَومًا يُجَرِّبُهُ الشَّيطانُ وَكانَ معَ الوُحوش، وكانَ المــَلائِكَةُ يخدُمونَه. ١٤ وبَعدَ اعتِقالِ يوحَنَّا، جاءَ يسوعُ إِلى الجَليل يُعلِنُ بِشارَةَ الله، فيَقول: ١٥ تَمَّ الزَّمانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكوتُ الله. فَتوبوا وآمِنوا بِالبِشارة.

تجربة يسوع في البرية - مرقس ١: ١٢-١٥

الحرب ١٣٤

        "اَللَّهُمَّ نَبَذتَنا وكسَرتَنا وغَضِبتَ، ولكِن عُدْ إِلَينا. زَلزَلتَ الأَرضَ وصَدَّعتَها إِنَّها مُتَزَعزِعَةٌ فَداوِ صُدوعَها. هَبْ لَنا نُصرَةً فِي المــَضايِق فالخَلاصُ مِنَ الإِنسانِ عَدَم" (مزمور ٦٠: ٣و٥و١٣).

        اللهم، هذا ما نشعر به، مع أهل غزة ورفح. أننا مسحوقون، أننا متروكون فريسة للموت. أبانا الذي في السماوات، " نَبَذتَنا وكسَرتَنا وغَضِبتَ" علينا. لكنا نؤمن. أنت الإله الصالح، وأنت أبونا. "عُدْ إِلَينا". "زَلزَلتَ الأَرضَ وصَدَّعتَها فَداوِ صُدوعَها". الخلاص يأتينا منك فقط. "الخَلاصُ مِنَ الإِنسانِ عَدَم". من الإنسان يأتي الموت. أرقام أيضًا من هيئة الأمم: ٧٠٪. من البنى التحتية في كل المدن في قطاع غزة، دُمِّرت، و٨٤٪ من المستشفيات وأماكن العلاج، دُمِّرت. وبقي الموت، يا رب. اللهم، أنت أبونا، وملجأنا الوحيد. أيقظ البشرية التي صارت قاتلة. ارحمنا جميعًا، يا رب.

      

                إنجيل اليوم

                اليوم تجربة يسوع في البرية.

                "وأَخَرجَه الرُّوحُ عِندَئِذٍ إِلى البرِّيَّة، فأَقام فيها أربَعينَ يَوماً يُجَرِّبُهُ الشَّيطانُ وَكانَ معَ الوُحوش، وكانَ المــَلائِكَةُ يخدُمونَه" (١٢-١٣).

                يسوع في الصحراء، وحده مع أبيه. يسوع يصلي، يضع عمله أمام أبيه، قبل كل عمل هام، في حياته البشرية. في هذا الإنجيل، يبدأ يسوع حياته العلنية. فيصوم، وحيدًا في الصحراء، مع أبيه، مدة أربعين يومًا.

                أيام الصوم لنا أيضًا هي زمن نضع فيه أنفسنا أمام الله أبينا. نصوم، نعم، ونمتنع عن بعض الطعام، ولكن أهم من هذا هو أن نبقى مع أبينا الذي في السماء. نتمِّم كل واجباتنا تجاه إخوتنا وأخواتنا، فيما نجعل في قلوبنا قفرًا نقيًّا، وحضورًا، في كل نشاطاتنا، أمام أبينا الذي في السماوات.

                "وَكانَ معَ الوُحوش، وكانَ المــَلائِكَةُ يخدُمونَه". أن نحقِّقَ فينا هذا النوع من الحياة، حيث تكون الوحوش صديقة، ونحن برفقة الملائكة. إلى هذه الطريقة في الحياة نحن مدعوون، وفي أيام الحرب هذه خاصة حيث نسي الإنسان أنه إنسان، وصار شبيهًا "بالوحوش" المعتدية. الإنسان الصالح يجعل حتى "الوحوش" صالحة. والإنسان الشرير يقتدي بشر الوحوش الضارية.

                نتعلَّم لكي نجعل كل شيء صالحًا، الأشياء والحيوانات، ونحن أنفسنا، وكل إخوتنا وأخواتنا.

                كذلك نصوم مع يسوع مدة أربعين يومًا. حتى نسند سنتنا كلها، حتى نسأل الله أبانا أن يسندنا، حتى نسند مجتمعنا فيُشفَى من الحرب، ويعيش في سلام، مع الطبيعة كلها، ومع كل الإخوة والأخوات. نصوم ونصلي لننتقل من الحرب إلى السلام، ليتحقق السر الفصحيّ فينا، فننتقل نحن أيضًا إلى الحياة مع الله، ومن الحرب إلى السلام. لهذا نصوم.

                " فأَقام فيها أربَعينَ يَوماً يُجَرِّبُهُ الشَّيطانُ".

                يسوع في الصحراء سمح للشيطان بأن يجربه. ليعلِّمَنا كيف نغلب الشر نحن أيضًا، إذا ما راودتنا التجارب. نغلب كل شر، كبير أو صغير يبدو كأنه لا شيء، لكنه شر. الشر شر. لا يوجد شر مقبول. ولا توجد ظروف تجعل بعض الشر يصير خيرًا، ولا يوجد شر يمكن أن يحضر معه المؤمن أمام الله. كل شر يقاوَم.

                مقاومة الشر. وعمل الخير، لأنفسنا، وللغير، لكل إخوتنا وأخواتنا. بالتعاون، وتقدير الجهود المبذولة، والاهتمام بكل هموم الإخوة. عمل الخير، هو البناء معًا، بناء الإنسانية مع الجميع، بناء مجتمعنا في كل مجالاته، وأيضًا ما يقال فيه إنه "سياسة"، وهي طريق حرب. الجميع مسؤولون عن السلام، ليسوا مسؤولين ليقتلوا، بل ليصنعوا العدل لأنفسهم وللجميع. لذلك نصوم ونصلي إلى أبينا الذي في السماء. لأن الصلاة أيضا لها مكان في "السياسة" وفي الحروب. نصلي ليتحقق العدل ولنصنع السلام. لهذا نصوم، فنحمل ثقل مجتمعنا كله في نفوسنا، وثقل الحرب كلها في صلاتنا أمام الله أبينا.

                ربي يسوع المسيح، أردت أن تبدأ حياتك العلنية بالصيام مدة أربعين يومًا، صُمْتَ وصلَّيْتَ وقاوَمْتَ فيها تجارب الشيطان. أعطنا أن نعرف كيف نصوم مثلك، نصوم ونصلي ونقاوم كل شر، حتى نبقى ماثلين أمامك، وحتى نرافق مجتمعنا ونبنيه ونقاوم شر الحرب فيه. آمين.

الأحد ١٨/٢/ ٢٠٢٤              الأحد الأول من الصوم