الوجود المسيحي المشرقي حلقة موصولة منذ القرون الأولى للميلاد

الكاتب : القس سامر عازر - الأردن

ترأس المطران خريستوفوس عطالله في مدينة البتراء الوردية قداساً إلهياً أقيم يوم الإثنين 22/1/2024 بعد انقطاع دام ألف وخمسمائة عام، وذلك في أكبر كنائس البتراء الأثرية وهي كنيسة بترا الرومية التي بنيت في العام 450 ميلادية، رابطاً بكلمته ذلك التاريخ القديم بالعصر الحديث، ومشيرا إلى الارتباط العضوي غير المنقطع بين كنيسة القرن الحادي والعشرين وكنيسة القرن الأول الميلادي والتي تأسست يوم عيد العنصرة في القدس،

الوجود المسيحي المشرقي حلقة موصولة منذ القرون الأولى للميلاد

وهذا مهم في إعادة كتابة التاريخ المشرقي بشكل موضوعي حيث غُيّب التاريخ المسيحي مدة سبعة قرون وكأن المسيحي المشرقي ابن هذه البلاد (قرامي البلاد) قد أصبح غريباً أو متغرّبا عن بلاد آبائه وأجداده أبناء هذه البلاد المقدسة.
أهمية استعراض هذا التاريخ في هذا الوقت بالذات هام للغاية للدلالة على أنَّ المسيحية هي مشرقية المنشأ بامتياز، فمِن بلادنا المقدسة نشأت المسيحية، إذ تمّت البشارة في الناصرة، وميلاد المسيح في بيت لحم، ودرب الآلام والجلجثة والقيامة في القدس، والمعمودية في نهر الأردن حيث ابتدأ السيد المسيح رسالته بنشر إنجيل المحبة والسلام. فالمسيحية لم تكن أبداً بضاعة مستوردة بل مشرقية المنشأ، ومن بلادنا المقدسة انتشرت للعالم أجمع بقيمها الدينية والروحية والأخلاقية وأصالة تعاليمها المرتكزة على تعاليم السيد المسيح والرسل الأطهار.
ومنذ العام 33 جلس على كرسي أبرشية القدس القديس يعقوب، وكان قد ألقي به من أعلى الهيكل ليَلقى حتفه في خطوة لمحاربة المسيحية في مهدها. وهكذا تغمسّت الكنيسة بالدم منذ نشأتها بسبب الاضطهاد الذي تعرّض له أسلافُنا المسيحيون الأوائل من قبل السلطات الرومانية واليهودية، فشكلّت دماءهم بذار الكنيسة الحيّة التي حملت رسالتها بكل أمانة وإخلاص في سبيل معلمها وسيدها يسوع المسيح وإلى العالم أجمع، فالمسيح بعد صعوده إلى السماء أرسل لهم الروح القدس ليقوّيهم ويثبتهم ويحوِّل خوفَهم وضعفَهم إلى قوةٍ وشهادةٍ حتى الموت في سبيل حمل رسالة المسيح، تماما كما كتب القديس بولس،"الذي لأجله خسرت كل الأِشياء وحسبتها نفاية".
فالكنيسة المسيحية تعرّضت منذ نشأتها لاضطهادات قاسية وإرهاصات بشعة دامت ثلاثة قرون ذهب ضحيتها مئات الألوف من المسيحيين الأوائل المؤمنين والمخلصين لتعاليم السيد المسيح والكنيسة، حيث وفي محاولة لطمس معالم المسيحية أمر الإمبراطور الروماني الوثني أندريانوس في العام 134 ميلادية ببناء المعابد فوق كل الأماكن المرتبطة بحياة السيد المسيح، مثل تل الجلجلة، القبر الخلاصي، مغارة الميلاد وغيرها الكثير من الأماكن في محاولة بائسة لمحق المسيحية وكل ما تعلّق بها.
واستمَّر الحالُ كذلكَ حتى سنة 312 ميلادية حيث وبإلحاحٍ من القديسة الإمبراطورة هيلانة وافق ابنها الإمبراطور قسطنطين أن يكُّفَ عن اضطهاد المسيحية وأتباعَها، وأن يسمح بحرية الديانات، فوافق على ذلك واعتنق هو نفسه المسيحية واعتمد بسبب والدته القديسة هيلانة، فكان ذلك نقطة تحول في تاريخ الإمبراطورية الرومانية والتي تحولت إلى ما أصبح يعرف بالإمبراطورية الرومية (الروم الأرثوذكس)، ومنذ ذلك التاريخ بدأ ازدهار بناء الكنائس داخل الامبراطورية الرومية وتوسّعت المسيحية وانتشرت شرقا وغربا.
وفي ذلك الوقت كانت كنيسة القدس أبرشية صغيرة تابعة لمتربوليتية قيصرية فلسطين، وفي العام 431 قام أسقف المدينة المقدسة يوفيناريوس بتقديم طلب إلى المجمع المسكوني الثالث لتصبح أبرشية القدس بطريركية مع توَسُّعِ تخومها، فرُفض طلبه، ولكن في المجمع المسكوني الرابع (في خلقدون) سنة 451 ميلادية تمت الموافقة على طلبه، فتحولت أبرشية القدس ابتداء من العام 451 ميلادية إلى عصرنا الحاضر إلى البطريركية المقدسية. وكانت فلسطين آنذاك تعرف: بفلسطين الأولى وعاصمتها قيصرية فلسطين، وفلسطين الثانية وعاصمتها بيسان، وأما فلسطين الثالثة فكانت عاصمتها البتراء وكانت ميتروبوليتية ويتبع لها سبع أبرشيات، ولكنها كانت تابعة إداريا للقدس.
وارتبطت البتراء بحياة القديس بولس الرسول حيث عاش هناك وكرز وبشّر، وكذلك الكثير من المسيحيين القديسين عاشوا في تخومها وفي مغرها وكهوفها، وأثروا بحياتهم بناءَ الحضارةِ الرومية الجديدة والتي سُمِّيت لاحقاٌ بالبيزنطية. ففي كل بقعة في بلادنا المقدسة هناك آثار كنائس وأديرة، فمثلا في البتراء وحدها ما تمّ اكتشافه لتاريخ اليوم هو عشرة كنائس.
ولكنَّ نكسة أخرى حلّت بالمسيحية المشرقية وبالتحديد بالكنيسة الرومية إذ تعرّضت البلاد للدمار من قبل الفرس سنة 614 ميلادية، فتَّمَ التنكيل بالمسيحيين، وبوشاية من اليهود تم قتل الآلاف المؤلفة من الرهبان والنساك الذين جماجمهم ما زالت موجودة في دير مار سابا بفلسطين.
ولكن ومع مجيء الإسلام أصَّرَ بطريرك المدينة المقدسة صفرونيوس على استقباله شخصيا الخليفةَ الفاروق عمر بن الخطاب في العام 638 ميلادية، ليسلِّمَه مفاتيح المدينة المقدسة، وهناك في دير الكنيسة على جبل الزيتون تم صك العُهدة العمرية، وبدأت مرحلة جديدة في بناء حضارة مشرقية عربية مشتركة منذ الف وأربعمائة سنة وإلى يومنا هذا، حيث حبانا الله قيادة هاشمية مباركة وصية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس
وسيبقى هذا التاريخ العريق على امتداد ألفي عام، وهذه الحِجارة الأثرية التي تحمل إرثاً وتاريخا وحضارة، يتكلم وينطقُ بما طوته صفحات كثيرة. ومن الأهمية بمكان أن لا يُغفل عنه أو أنْ يتِّمَ طمسُه لأنه إرثٌ مشرقي تاريخي وحضاري وإنساني وروحي تنبضُ به حجارة بلادنا المقدسة حتى يومنا هذا.