السيدة مريم.. سيّدة نساء العالمين

الكاتب : محمد نوار – كاتب من مصر

في القرآن الكريم جاءت السيدة مريم نموذجاً للزهد في الدنيا والبعد عن الشهوات، والتقوى والإيمان الخالصين لوجهه تعالى، ومريم هي المرأة الوحيدة التي سميت باسمها إحدى سور القرآن، وجاءت قصتها في القرآن الكريم مع ذكر اسمها في سورة آل عمران، وفي سورة مريم. وتبدأ قصة السيدة مريم قبل ولادتها حين نذرتها أمها لله تعالى: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي) آل عمران 35، قالت نذرت ولم تقل نذرنا، وقالت تقبل مني ولم تقل تقبل منا، وبذلك استقلت في رغبتها في النذر عن زوجها.

السيدة مريم.. سيّدة نساء العالمين

وقد جاءت كلمة ابنة في القرآن مرة واحدة مقترنة باسم مريم، وتم تعريفها بنسبتها إلى أبيها، ولذلك كتبت بالتاء المفتوحة: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ) التحريم 12.

لم يخبرنا القرآن باسم امرأة عمران لعدم أهمية الاسم في القصة، وجاء في الروايات إن اسمها "حنا"، وهي أم السيدة مريم وجدة النبي عيسى عليه السلام: (إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) آل عمران 35-36، فكلام امرأة عمران هو ما جاء في الآيتين وقد قطع كلامها جملة (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى) من قوله تعالى، ثم تكمل قولها. 

قالت (إِنِّي نَذَرْتُ) أرادت أن تقدم ما تصورت أنها ستلده ذكرًا ليكون في خدمة الدعوة إلى الله، فلما ولدتها أنثى ظنت أن الأمر اختلف، ولكن يطمئنها تعالى أنها وإن كانت أنثى لكنها ستكون سيدة نساء العالمين، فالذكور ليسوا هم فقط من باستطاعتهم فقط خدمة الدعوة إلى الله.

في قوله تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) آل عمران 35-36، عمران هو أبو السيدة مريم وجد النبي عيسى عليه السلام، فقد أرادت امرأة عمران أن تقدم لله ما في بطنها من جنين تصورته مولوداً ذكراً يكون في خدمة الدعوة إلى الله، (مُحَرَّرًا) يعني محرر من الأهواء لا يريد إلا وجه الله، والإنسان عليه أن ينوي نية طيبة، والله تعالى يعلم ماذا وضعت لأنه خلق ما في بطنها، فيقول تعالى أن المولودة الأنثى تختلف عن الذكر، وقد تكون الأنثى خيراً من الذكر، وكل منهما له خصائصه.

وحتى لا تكون الأنثى لها أفضلية، فقد تم تفسير (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى) باعتباره من كلام امرأة عمران وكأنه اعتذار منها عن انجاب أنثى، مع أن جملة (وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى) هي جملة اعتراضية من قوله تعالى توسطت ما قالته امرأة عمران، ولو كان التفسير صحيحاً بأن الجملة من قول امرأة عمران لوجب عليها أن تقول: "وأنت أعلم بما وضعتُ" بضم التاء، وذلك بعد أن قالت (رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى)، أما عن مسألة تفضيل الله تعالى للذكر على الأنثى فهى غير صحيحة، لأن الله تعالى منزه عن التحيز لأحد، ولا يكرم خلقاً على الآخر إلا بالتقوى والعمل الصالح. 

ثم تقبلها بأفضل أنواع القبول: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً) آل عمران 37، لأنها جاءت محررة من الشرك ومن الرغبات الدنيوية.

ولدت مريم يتيمة فتكفل بتربيتها زوج خالتها النبي زكريا عليه السلام: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) آل عمران 37، ونشأت مقيمة في المحراب، وهو غرفة يعتزل فيها العابد وكأنه محارب للناس.

فالقبول الحسن والنشأة الحسنة يتضحان في الاصطفاء الأول بخدمتها لدينه تعالى بالرغم من أنها أنثى، ثم التطهير من المعصية، ثم الاصطفاء الثاني على نساء العالمين، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: "سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران".

كانت مريم تتعبد في المحراب الذى لا يستطيع أحد دخوله إلا النبي زكريا، الذي وجد عندها طعامًا لم يأتها به فكان سؤاله: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا)، وكانت إجابتها: (هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) آل عمران 37.