إِنَّنا نَتكلَّمُ بِما نَعلَم، ونَشهَدُ بِما رَأَينا - يوحنا ٣: ٧ب-١٥

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، البطريرك الأسبق للّاتين في القدس

٧ لا تَعْجَبْ مِن قَولي لَكَ: يَجِبُ علَيكم أَن تُولَدوا مِن عَلُ. ٨فالرِّيحُ تَهُبُّ حَيثُ تَشاء فتَسمَعُ صَوتَها، ولكنَّكَ لا تَدْري مِن أَينَ تَأتي، وإِلى أَينَ تَذهَب. تِلكَ حالَةُ كُلِّ مَولودٍ لِلرُّوح. ٩أَجابَه نيقوديمُس: «كيفَ يَكونُ هٰذا؟ ١٠أَجابَ يسوع: «أَأَنتَ مُعَلِّمٌ في إِسرائيل وتَجهَلُ هٰذِه الأَشْياء؟ ١١الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكَ: إِنَّنا نَتكلَّمُ بِما نَعلَم، ونَشهَدُ بِما رَأَينا، ولٰكِنَّكُم لا تَقبَلونَ شَهادَتَنا. ١٢فإِذا كُنتُم لا تُؤمِنونَ، عِندَما أُكَلِّمُكم في أُمورِ الأَرْض، فكَيفَ تُؤمِنونَ إِذا كَلَّمتُكُم في أُمورِ السَّماء؟ ١٣فما مِن أَحَدٍ يَصعَدُ إِلى السَّماء إِلَّا الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء، وهو ٱبنُ الإِنسان. ١٤وكما رَفَعَ مُوسى الحَيَّةَ في البَرِّيَّة فكذٰلِكَ يَجِبُ أَن يُرفَعَ ابنُ الإِنسان ١٥لِتَكونَ بِهِ الحَياةُ الأَبديَّةُ لِكُلِّ مَن يُؤمِن.

إِنَّنا نَتكلَّمُ بِما نَعلَم، ونَشهَدُ بِما رَأَينا - يوحنا ٣: ٧ب-١٥

الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرضنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة. وفي يوم السبت ٢٨ شباط/فبراير٢٠٢٦ بدأت الحرب على إيران.

"لِماذا تَكتَئِبينَ يا نَفْسي وعلَيَّ تَنوحين؟ ارتَجي اللهَ فإِنِّي سأَعودُ أَحمَدُه، وهو خَلاصُ وَجْهي وإِلٰهي" (مزمور ٤٣: ٥).  ارحمنا، يا رب. الحرب وويلاتها ما زالت هنا، والقتلى والجرحى بالألوف. "لِماذا تَكتَئِبينَ يا نَفْسي وعلَيَّ تَنوحين؟" "ارتجي الله". ربنا، إنا وضعنا ثقتنا فيك، ولكن الموت ما زال يفترسنا. أهل الحرب فقدوا رشدهم وإنسانيتهم، أوقف يا رب حربهم. ارحمنا، يا رب.

إنجيل اليوم

متابعة حديث يسوع مع نيقوديمس. كيف يؤمن الإنسان، وكيف يولَدُ من علُ؟

الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكَ: إِنَّنا نَتكلَّمُ بِما نَعلَم، ونَشهَدُ بِما رَأَينا، ولٰكِنَّكُم لا تَقبَلونَ شَهادَتَنا. ١٢فإِذا كُنتُم لا تُؤمِنونَ، عِندَما أُكَلِّمُكم في أُمورِ الأَرْض، فكَيفَ تُؤمِنونَ إِذا كَلَّمتُكُم في أُمورِ السَّماء؟

١٣فما مِن أَحَدٍ يَصعَدُ إِلى السَّماء إِلَّا الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء، وهو ابنُ الإِنسان. ١٤وكما رَفَعَ مُوسى الحَيَّةَ في البَرِّيَّة، فكذٰلِكَ يجِبُ أَن يُرفَعَ ابنُ الإِنسان ١٥لِتَكونَ بِهِ الحَياةُ الأَبديَّةُ لِكُلِّ مَن يُؤمِن (١١-١٥).

يسوع يتكلم بما رأى، يتكلم عن أمور السماء. ونيقوديمس غير قادر لأن يؤمن، لأن خطيئة الإنسان التي ملأت الأرض تمنعه من الرؤية. الخطيئة قطعت الخليقة عن خالقها. وجعلتها عاجزة عن فهم حتى شؤون الأرض. فكيف تفهم شؤون السماء؟: "فإِذا كُنتُم لا تُؤمِنونَ، عِندَما أُكَلِّمُكم في أُمورِ الأَرْض، فكَيفَ تُؤمِنونَ إِذا كَلَّمتُكُم في أُمورِ السَّماء؟" (١٢).

ثم قال له يسوع: "فما مِن أَحَدٍ يَصعَدُ إِلى السَّماء إِلَّا الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء، وهو ابنُ الإِنسان" (١٣).  وقال يوحنا في الفصل الأول من إنجيله: "إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ، الِابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب، هو الَّذي أَخبَرَ عَنه" (يوحنا ١: ١٨). وقال يسوع: "ليَكونوا واحِدًا كما نَحنُ واحِد" (يوحنا ١٧: ١١). يسوع والأب واحد. وجاء إلينا ليعرِّفنا بالآب، وليعطينا أن نراه.

يسوع وحده يقدر أن يعلِّم الإنسان. جاء ليعلِّمنا من هو الآب.

وعِلمُ الله فينا هو تحرُرٌ من عبوديات الأرض، والارتفاع إلى عل، لنصبح قادرين على الفهم وعلى أخذ ما يقوله يسوع القادم من عند الآب، وقادرين على أن نحيا الحياة الأبدية.

إذا تعلَّمنا من يسوع، تصير الأبدية قريبة، والحياة فيها، مع بقائنا على الأرض، ممكنة. والحياة بمحبة الآب تصبح ممكنة.

مع يسوع الذي جاء إلى الأرض يمكن قبول كلمته، ويمكن للإنسان أن يبدل حياته. يمكن أن يغلب الخطيئة فيدخل الأبدية ويعرف فيها الحياة مع الآب والابن والروح القدس. الحياة مع الله والشركة مع الثالوث القدوس. الإنسان المخلوق من العدم، والمجبول من طين الأرض، لكن الله نفخ فيه الحياة، وجعله على صورته، وخلقه للأمور التي في السماء أولا، ولكي يتعلم من يسوع ويفهم سر الله الذي يحبنا ويرافقنا في حياتنا على الأرض.

"فما مِن أَحَدٍ يَصعَدُ إِلى السَّماء إِلَّا الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء، وهو ٱبنُ الإِنسان" (١٣). و"إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ، الِابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب، هو الَّذي أَخبَرَ عَنه" (يوحنا ذ: ١٨).

والإنسان مجبول من تراب الأرض، نعم، لكن الله صنعه على صورته، نازعًا إليه، قادرًا على الحياة وعلى المحبة وعلى الحياة الأبدية.

أن يعرف الإنسان نقسه، خليقة، وحده لا يستطيع شيئا، لكنه أيضًا صورة الله، وقادر على رؤيته والحياة في نوره، وقادر على الحياة الأبدية والحياة مع الله.

       ربي يسوع المسيح، انحدرت من السماء، لتجعلني قادرًا لأدخل السماء. حررني من كل ثقل في الأرض يمنعني من رؤيتك. ربي يسوع المسيح، أعطني أن أسمع وأن أفهم وأرى، وأحيا الحياة الأبدية معك. آمين.

الثلاثاء ١٤/٤/٢٠٢٦                         بعد الأحد الثاني للفصح