أيُّ تحريرٍ هذا؟
الكاتب : إبراهيم الحامد - عضو الكتلة الوطنية السورية
خرج السوريون من سقف استبدادٍ سياسيٍ ثقيل، ليجدوا أنفسهم أمام خطر السقوط في مستنقع أشد ظلماً وظلامية وتجويعاً. فهل كان هذا هو التحرير الذي انتظره السوريون؟ وهل تكفي إزاحة حاكم مستبد إذا بقيت عقلية الاستبداد، وتحوّل الجهل إلى خطاب، والوصاية إلى قانون، والفقر إلى قدرٍ مفروض على الناس؟
ما ظهر في بعض طروحات أعضاء مجلس الشعب حول المرأة والتعليم وضرب الأطفال ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يكشف عن أزمة أعمق في الوعي الذي يريد أن يصوغ مستقبل سورية. حين تُختزل كفاءة المعلمة في جنسها، ويُستدعى «سوط» المدرسة بوصفه وسيلة للتربية، فإننا لا نكون أمام مشروع لبناء التعليم، بل أمام محاولة لإعادة إنتاج الإنسان المطيع الخائف؛ الإنسان الذي يتعلم الانحناء أمام السلطة بدل امتلاك القدرة على التفكير والنقد والمساءلة.
ومن منظور اجتماعي واقتصادي، لا يمكن فصل هذا الخطاب عن واقعٍ يرزح فيه السوريون تحت الفقر والغلاء وانهيار الخدمات وتراجع فرص العمل. فما قيمة الحديث عن التحرير إذا كان المواطن عاجزاً عن تأمين الخبز والدواء والتعليم؟ وما قيمة إسقاط استبداد سياسي إذا استُبدل به استبداد اجتماعي وفكري واقتصادي؟
الدولة الحديثة لا تُبنى بالعصا، ولا تُدار بالوصاية، ولا تُقاس قوة الرجل بقدرته على إقصاء المرأة أو إخضاع الطفل. الدولة تُبنى بالعلم، والكفاءة، والعدالة، والمواطنة المتساوية، وحقوق الإنسان.
إن أخطر ما يواجه سورية اليوم ليس فقط عودة الاستبداد بصورته القديمة، بل ولادة استبداد جديد بأدوات جديدة: استبداد يخلط المقدّس بالسياسة، ويضع الجهل في مواجهة العلم، ويحوّل المرأة إلى تابع، والطفل إلى مشروع طاعة، والفقر إلى واقع يجب احتماله.
لقد آن الأوان لرفع الصوت: لا يجوز أن تكون معركة السوريين مجرد تبديل سلطة بسلطة، بل يجب أن تكون انتقالاً حقيقياً من الاستبداد إلى دولة المواطنة والعدالة والحرية.
فأيُّ تحريرٍ هذا الذي يحرر السلطة ويترك الإنسان أسيراً؟






