سمير الحافظ .. وداعًا
الكاتب : فريد غانم – محام وشاعر ورئيس بلدية المغار السابق
هو سمير طنّوس، أبو إيهاب، الصّديق الحميم والأخ الكبير. وقد اشتهر في نواحينا، كما هي عادات المغاريّين، باسمه الشّخصي مضافًا إليه اسم الوالد مع أل التّعريف؛ "سمير الحافظ". وحافظ الطّنوس هو المرحوم والده، أبو سمير.
وسمير الحافظ هو ابن المغار، بامتياز، بزيتونها وصبرِها وزعترها وفيجنها وخرّوبها وأبواب هواها (هوائها)*وبلاطِها وكهوفِها وعيونِها وأحيائها. لكنّه أيضًا، ابن عيلبون والنّاصرة والرّامة والبلاد بعرضها وطولِها، على طريقة "نورٌ على نورٍ على نور".
تربّى سمير الحافظ عند "باب القهوة"*، على ضفاف "عين الضّيعة"*، عند عُقدة حاجبينا، وجرى كالنّهر في أزقّتنا المرصوفة بعرق الجبين والمسقوفة بالشّمس التي لا نعرفُ غيرَها والغمام وبعض العقود التي تسكنُها الحكايات، وترك لنا ذكرياتٍ جميلةً مدلّاةً من ضفائر كلّ الجهات ومُحلّاةً بأطيافِها..
ثمّ انتقل إلى عيلبون، الواقفة منذ البدايات على بعد ضربةِ ثلاثِ حصواتٍ عنّا، أو قابَ قوسَين منّا، فأقام هناكَ عشًّا على شكلِه، كأنّه سنونوّة، تحملُ بشرى الرّبيع وتبذرُ الحياة في سقوفِ المنازل والمدى المنظور.
لكنّه، هنا وهناك، كان موجًا عارمًا بصوته الجبلّيّ، فغنّى لوديع الصّافي بأجمل ما يكون الغناء، وغنّى للنّعناع والحنّاء، وكان في وقت لاحق يستنجدُ ب"ميلاد"** كي يضعَ له عتبات المقامات، فيصدحَ بما يشقُّ البحورَ ويُطربُ حتّى من به صمَمُ.
وكان أبو إيهاب، صاحب العينين المقطوعتين من البحر، مرفوعَ الهامة، صاحبَ شخصيّة فولاذيّة تُغلّفُ قلبًا يفيضُ طيبةً، مخلصًا لأصدقائه ومبادئه، فلا يبدّل تبديلًا ولا نصفّ تبديلٍ حتّى لو وضعت الشّمسَ في يمينه والقمرَ في شمالِه.
ذكرياتٌ تغمرُ الواحدَ منّا، بردًا وسلامًا، حين نستعيد التّقاطعات التي جمعتنا بسمير الحافظ، في بيته، في بيت نسيبه عاطف***، في المرتفعات المُطلّة على البحيرة التي وردَ فيها وردُ المتنبّي، في شرايين المغار وفي الأحاديث التي انقطعت دومًا بدون أن تنتهي أبدًا.
وكان سمير الحافظ، صاحب الوجه الجميل والرّوح الجميلة، يضاهي حاتم الطّائي بكرمِه في كلّ محطّة وعند كلّ ملتقًى ومفترق.
وداعًا أبا إيهاب،
وداعًا أخي الكبير،
وداعًا صديقي الكريم.
واعلم، فإنّ حجارةَ المغار ما تزالُ تهتزُ فرحًا بصوتك المصقول من صخرِ جبل صِنّين ومياهِ وادي سلّامة وعذوبة "عينِ المنصورة"*.
———————————-
*هي مواقع في المغار وجوارِها.
**هو الدّكتور الرّاحل ميلاد قرواني.
***هو القاضي عاطف عيلبوني.







