أولادكم ليسوا لكم..

كم من مرة شاهدنا على شاشات الفضائيات آباء وأمهات تنهمر دموعهم يبكون من عقوق الأبناء، الابن مدير لأحد البنوك، يضرب الأب بقسوة ويطرده من مسكنه، وعلقة ساخنة من ابن خبير حاسبات ومعلومات للأم التي أنجبته وأنفقت من معاشها على تربيته، وقصة قضية حجر على الفنان رشوان توفيق من ابنته بسبب الميراث، وقد نسمع أحيانًا أسفًا ابنًا يُردد: «بعد عمر طويل عندما يتوفى والدى، حصتى من الورث ستكون.. وتلك من نصيبى». كلمات من عقوق الأبناء، كلمات تحمل ألمًا وحسرةً وغصةً في قلب الوالدين.

أولادكم ليسوا لكم..

قصص موجعة تثير الاستياء من ملف العقوق من سلوكيات شاذة وغريبة على مجتمعاتنا، وعلى أفضل الأحوال إيداع الوالدين إحدى دور المسنين، هذه الدور ليست بديلًا عن صدر الأبناء وحنيتهم ورعايتهم التي يحتاجها الآباء والأمهات من عطف وحب ورحمة وبر وعطاء متزايد واحتواء، كنوع من رد الجميل من الأبناء.

لابد من تقبل الواقع والتعايش معه، مؤمنين بخروج الأبناء عن مألوف الآباء، وأن أبناءهم هم لهم ولأنفسهم، وللحياة معًا!

من أجمل الكلمات التي كتبها جبران خليل جبران منذ مائة عام بالتمام في كتابه الرومانسى النثرى «النبى»، يركز فيه على نبى يشارك أتباعه الحكمة حول الأسرة والعمل والموت والحب والحرية، الذي بيع منه حتى اليوم 10 ملايين نسخة، وتُرجم إلى أكثر من 100 لغة، حول شكل العلاقة بين الآباء والأبناء، حاولت من خلالها إقناع النفس والتحكم في العقل، وكسر الصورة النمطية لعلاقة الأبناء بالوالدين، أطفالنا هم ملك لنا لأنهم يجددون طريقنا، ويمضون على نهجنا ووَفق رؤانا.

لقد سعيت جاهدًا وبصعوبة للسير على نهج جبران في علاقتى بأبنائى، ويعنى خروج الأبناء عما هو مألوف لدى آبائهم، فهم ليسوا لنا ولا ينتمون إلينا. كلمات سقطت على قلبى بلسمًا ودواء، وَيُخَيَّلُ إلىَّ أنها سوف تقوم بالمُفعَّل نفسه على قلب كل أب وكل أم.

تلك الكلمات التي قال فيها: «أولادكم ليسوا لكم.. أولادكم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها، بكم يأتون إلى العالم، ولكن ليس منكم.. ومع أنهم يعيشون معكم، فهم ليسوا ملكًا لكم.. أنتم تستطيعون أن تمنحوهم محبتكم، ولكنكم لا تستطيعون أن تغرسوا فيهم بذور أفكاركم، لأن لهم أفكارًا خاصةً بهم.. وفى طاقتكم أن تصنعوا المساكن لأجسادهم.. ولكن نفوسهم لا تقطن في مساكنكم فهى تقطن في مسكن الغد، الذي لا تستطيعون أن تزوروه حتى ولا في أحلامكم.. وإن لكم أن تجاهدوا لكى تصيروا مثلهم ولكنكم عبثًا تحاولون أن تجعلوهم مثلك».

على كل أسرة تصارع الأمرَّيْن في سبيل تربية الأبناء في هذا العصر الذي غلب عليه الجانب التقنى والرقمى، يهتز لها القلب وينقلب معها الفكر، فالكثير من الآباء والأمهات يتعاملون مع أبنائهم وكأنهم ضمن ممتلكاتهم، وكأنهم أشياء وليسوا أشخاصًا، ويتناسون أن لكل إنسان أحلامه وطموحاته وهواياته ومشاعره وشغفه الخاص الذي يسعى ويأمل في تحقيقه، فهو لم يخلق كى يحقق أحلام والده أو والدته، وأن يسعى لأن يصبح ما أرادوا أن يصبحوه يومًا ما، وهو ليس مجبرًا أن يعيش بنفس الأسلوب والفكر والخطوات. الجميل أن نربى الأبناء حتى ينطلقوا أحرارًا وفق مفاهيم مجتمعية، وعلى ما وجد هوى في نفوسهم، وينطلقون في دروب غير دروبنا. الأبناء الصالحون يظلون مستمرين بإرشاد الآباء، فينطلقون ويستقلون دون انقطاع عنهم، وقد يغيّرون ما يشاؤون تدريجيًا، لذا هم يبقون منهم ولهم وفيهم، ويستمر تاريخهم متواصلًا، ولا ينقطع الخيط، مع المستقبل الذي حددوه لأنفسهم.

علينا أيضًا أن نتذكر مقولة سقراط: «لا تجبروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم».