أسرار ملكوت السماوات هي معرفة الله - متى ١٣: ١٠-١٧
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا
"أُعطِيتُم أَنتُم أَن تَعرِفُوا أَسرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ". "وَأَنتُم، طُوبَى لِعُيُونِكُم لِأَنَّهَا تُبصِرُ، وَلِآذَانِكُم لِأَنَّهَا تَسمَعُ. الحَقَّ أَقُولُ لَكُم إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَنبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ تَمـَنَّوْا أَن يَرَوْا مَا تُبصِرُونَ فَلَم يَرَوْا، وَأَن يَسمَعُوا مَا تَسمَعُونَ فَلَم يَسمَعُوا" (١٧).
١٠. فدنا تلاميذه وقالوا له: لماذا تكلمهم بالأمثال؟
١١. فأجابهم: لأنكم أعطيتم أنتم أن تعرفوا أسرار ملكوت السموات، وأما أولئك فلم يعطوا ذلك.
١٢. لأن من كان له شيء، يعطى فيفيض. ومن ليس له شيء، ينتزع منه حتى الذي له.
١٣. وإنما أكلمهم بالأمثال لأنهم ينظرون ولا يبصرون، ولأنهم يسمعون ولا يسمعون ولا هم يفهمون.
١٤. وفيهم تتم نبوءة أشعيا حيث قال: تسمعون سماعا ولا تفهمون وتنظرون نظرا ولا تبصرون.
١٥. فقد غلظ قلب هذا الشعب وأصموا آذانهم وأغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم.
١٦. وأما أنتم، فطوبى لعيونكم لأنها تبصر، ولآذانكم لأنها تسمع.
١٧. الحق أقول لكم إن كثيرا من الأنبياء والصديقين تمنوا أن يروا ما تبصرون فلم يروا، وأن يسمعوا ما تسمعون فلم يسمعوا.
من إنجيل القديس متى الفصل ١٣، الآيات ١٠-١٧.
"لِأَنَّكُم أُعطِيتُم أَنتُم أَن تَعرِفُوا أَسرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ". (١١). قال يسوع أيضاً: "مَا مِن أَحَدٍ يَصعَدُ إلَى السَّمَاءِ إلَّا الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَهُوَ ابنُ الإنسَانِ" (يوحنا ٣: ١٢).
أسرار ملكوت السماوات هي معرفة الله، أنه الخالق والسيد، وأنه الأب الرحيم والمحِبّ. هي معرفة "أنَّ الله أَحَبَّ العَالَمَ حَتَّى إنَّهُ جَادَ بِابنِهِ الوَحِيدِ لِكَي لِا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤْمِنُ بِهِ" (يوحنا ٣: ١٦).
معرفة أسرار ملكوت السماوات هي المقدرة على خدمة شؤون الأرض، ورؤية الله في الوقت نفسه، سيد الأرض وأبي، وأبًا محٍبًّا لجميع إخوتي. أسرار ملكوت السماوات، هي معرفة الله أبًا محِبًّا، ومعرفة أنفسنا، أننا أبناء محبوبون، وأننا لسنا وحدنا في اجتهاداتنا وجهاداتنا على الأرض، وفي مواجهة الشر الذي فينا والذي في غيرنا. أسرار ملكوت السماوات، هي الله الثالوث القدوس، الله الكائن، والله الذي هو المحبة، ومنه كياني، فأنا مدعُوٌّ لأن أكون محبة. قد أكون جاهلًا، قد أكون ضعيفًا، وقد أتعثر في طرق الحياة، لكن حين أعلم أني لست وحدي، وأن الله معي، أستطيع أن أتابع حياتي، بفرح الله، بفرح حضوري أمام الله.
"أُعطِيتُم أَنتُم أَن تَعرِفُوا أَسرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ". "وَأَنتُم، طُوبَى لِعُيُونِكُم لِأَنَّهَا تُبصِرُ، وَلِآذَانِكُم لِأَنَّهَا تَسمَعُ. الحَقَّ أَقُولُ لَكُم إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَنبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ تَمـَنَّوْا أَن يَرَوْا مَا تُبصِرُونَ فَلَم يَرَوْا، وَأَن يَسمَعُوا مَا تَسمَعُونَ فَلَم يَسمَعُوا" (١٧).
طوبى لكم لأنكم معي، لا تفهمون الآن كل شيء ولكن ستفهمون فيما بعد. أن تَرَوْا مسيح الرب. أن تَرَوْا كلمة لله يصير إنسانًا، رفيقًا لكم، تسيرون معه، ترونه وتسمعونه. الأنبياء تنبأوا به ولم يُعطَ لهم أن يروه ولا أن يسمعوه. وها أنتم ترون وتسمعون. رؤية الله يسير مع الناس. رؤية كلمة الله يصنع الخير للمرضى والمحتاجين. ويرفع عنهم خطاياهم.
واليوم أيضًا الأمر هو كذلك. كلمة الله الذي صار إنسانًا، هو دائمًا معنا. معنا بحبه، معنا إذ بذل حياته من أجلنا. قريب منا، ونحن قريبون منه وقريبون من سر الله. نحن نسير مع الله. هذه دعوتنا. مهما كانت رسالتنا على الأرض، مهما كانت مهامنا على الأرض، مهما كانت صعابها وصداماتها، نحن مدعوون إلى أن نسير مع الله، خالقنا وأبينا بكل محبته التي لا حد لها. ونحن مدعوون إلى أن نكون محبة لا حد لها.
"مَن كَانَ لَهُ شَيءٌ، يُعطَى فَيَفِيضُ. وَمَن لَيسَ لَهُ شَيءٌ، يُنتَزَعُ مِنهُ حَتَّى الَّذِي لَهُ" (١٢).
أُعطِينا أسرار ملكوت الله. وهي إن قبلناها، تفيض حياة فينا وفي كل من حولنا. وإن رفضناها، رفضنا أنفسنا، لأن في أسرار الملكوت أن نكون محبة مثل الله، فإن رفضنا كياننا الذي به نحن موجودون، فقدنا طبعًا كل وجود، كل ما لنا، من طاقات وإمكانات. من دون الله كل شيء يصير خسرانًا. الله كل شيء، وما عداه فعدم. ما زلنا مع الله، فنحن موجودون والحياة الوافرة حياتنا، وإن غبنا نحن عن الله، غبنا عن أنفسنا، وفقدنا الحياة. وصحَّت فينا كلمة السيد المسيح: من ظنَّ أنه يكسب نفسه وحده فهو يفقدها.
ربي يسوع المسيح، أعطيتني أن أعرف أسرار ملكوت السماوات. أعطني أن أبقى في نورك ومحبتك ومحبة جميع إخوتي. آمين.
الأربعاء ١٥/٢/٢٠٢٣






