من أحب حياته، أحبَّ غيره - يوحنا ١٢: ٢٤-٢٦
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا
٢٤. الحق الحق أقول لكم: إن حَبَّةَ الحنطة التي تقع في الأرض إن لم تَمُتْ تَبقَ وحدها. وإذا ماتت، أخرجت ثمرًا كثيرًا. ٢٥. من أحبَّ حياته فقدها ومن رغب عنها في هذا العالم حفظها للحياة الأبدية. ٢٦. من أراد أن يخدمني، فليتبعني وحيث أكون أنا يكون خادمي ومن خدمني أكرمه أبي.
"إنَّ حَبَّةَ الحِنطَةِ الَّتِي تَقَعُ فِي الأَرضِ إنْ لَم تَمُتْ تَبقَ وَحدَهَا. وَإذِا مَاتَتْ، أَخرَجَتْ ثَمــَرًا كَثِيرًا" (٢٤).
حبة الحنطة إذا ماتت أعطت ثمرًا كثيرًا. مثل حبة الحنطة، هكذا أكون. ليموت كل ما ليس حياة فيَّ، كل ما ليس من الله، كل ما هو شرٌّ فيَّ. ليتِمَّ ذلك، لأعرف أن أميت الموت فيَّ، يجب أن أعرف أنه يمكن أن يكون فيَّ شرٌّ. يجب أن أتفقَّد الحقل فأرى الزؤان فيه، فأزيله. موت كل شرٍّ فيَّ لأحيا ملء الحياة، لأكون الإنسان الذي خلقه الله على صورته، قادرًا على المحبة مثله.
أنا بحاجة إلى المحبة، والصلاح، والأخُوّة. والمجتمع كله بحاجة إلى مزيد من المحبة والصلاح والأخُوّة. كل واحد يشعر بالحاجة نفسها إلى ملْ الحياة. لهذا يجب أن نتعلَّم كيف نموت، وكيف نميت الشرَّ فينا.
الموت حتى بذل الحياة. هكذا كانت محبة يسوع فبذل حياته. شهداء عديدون بذلوا حياتهم في سبيل المسيح. وفي الإنسانية معذَّبون كثيرون: من يحوِّل هذه العذابات إلى مغفرة ومحبة وحياة جديدة، وإلى حبة حنطة تقع في الأرض وتموت فتثمر ثمرًا كثيرًا؟
الحياة معركة في كل يوم، وموت في كل يوم، لأن أشياء كثيرة يجب أن تموت فيَّ. لأصير حيًّا بملء الحياة، وإنسانًا بملء الإنسانية، يعرف أن يموت، وأن يبذل نفسه، من أجل المسيح ومن أجل الإخوة. أموت لأجد الأرض الصالحة، والإنسانية الصالحة التي خلقها الله.
"مَن أَحَبَّ حَيَاتَهُ فَقَدَهَا وَمَن رَغِبَ عَنهَا فِي هَذَا العَالَمِ حَفِظَهَا لِلحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ" (٢٥).
من أحب حياته، أحبَّ غيره. من أحبَّ حياته، بذلها في سبيل الله والإخوة. كل الشر في الإنسانية، من يستطيع أن يستأصله؟ الذين يدركون ويعون أنهم قادرون على المحبة، ولهذا خلقهم الله، للمحبة، وهم يحبُّون، ويفقدون حياتهم، حتى يعيش غيرهم، فيجدون مئة ضعف في نور الله. هؤلاء يقدرون أن يستأصلوا بعض الشرور في الأرض. من فقد حياته في سبيلي حفظها، ووجدها في نور الله. الزهد في العالم، مشاركة أموال هذا العالم مع الإخوة، والبقاء أحرارًا من كل قيد في هذا العالم. القيد الوحيد هو مع الله أبينا. والإنسان الحر يمكن أن يحرر غيره.
"مَن أَرَادَ أَن يَخدِمَنِي، فَلْيَتْبَعْنِي، وَحَيثُ أَكُونُ أَنَا يَكُونُ خَادِمِي" (٢٦).
"حَيثُ أَكُونُ أَنَا يَكُونُ خَادِمِي". دائمًا مع المـُعلِّم ومع المخلِّص. من أجلي أنا، تألم ومات. من أجلي قهر الموت، وفدى العالم، وحرر الإنسانية، وأعاد إليَّ أنا أيضًا حريتي. أخدم لأكون حرًّا. ودائمًا معه. مَن أَرَادَ أَن يَخدِمَنِي، فَلْيَتْبَعْنِي"، وليسمَعْ ما أقول، ولتَكُنْ حياته معي. ليخدِمْ، وليُحِبَّ، وليبذِلْ حياته، مثلي، وستكون له الحياة الوافرة التي أتيت أمنحها للإنسان.
ربي يسوع المسيح، شهداء عديدون بذلوا حياتهم في سبيلك، وفي سبيل الإخوة. أعطني أن أكون دائمًا حيث أنت تكون، حتى أتعلَّم أن أعطي وأبذل حياتي في سبيلك وفي سبيل إخوتي. آمين.
الخميس ١٠/٨/٢٠٢٣ الأسبوع ١٨ من السنة/أ





