عيد انتقال سيدتنا مريم العذراء

الكاتب : الأب لويس حزبون

إن أكثر الأعياد قدماً ومحبة للعذراء مريم الكلية القداسة هو عيد انتقال العذراء لمجد السماوات بالنفس والجسد، أي بكامل كيانها البشري، بكامل شخصها. يُعد انتقال العذراء مريم بالنفس والجسد إلى السماء عقيدة من أهم العقائد المسيحية حول العذراء في الكنيسة الكاثوليكية.

عيد انتقال سيدتنا مريم العذراء
عيد انتقال سيدتنا مريم العذراء
عيد انتقال سيدتنا مريم العذراء

والعقيدة معناها حقيقة إيمانية إلزامية، حيث لا يمكن لأحد أن يدَّعي الكثلكة ما لم يؤمن بها.  إن انتقال سيدتنا مريم العذراء هي “ثمرة الكنيسة الأولى وصورتها"، وهي من بين "الثمار الأولى" "لجميع الّذين ينتمون إلى يسوع" والّذين يشاركون في انتصاره (1 قورنتس 15، 20-24). ويُنظر إلى استقبالها في السماء كقوّة القداسة الرحيمة الّتي " رفَعَت الوُضَعاء " (لوقا 1: 52)، وكعلامة لجميع المؤمنين المسيحيّين لوعد الربّ يسوع بأن يتمّ استقبالنا، نحن أيضاً، في الفردوس " وإِذا ذَهَبتُ وأَعددتُ لَكُم مُقاماً أَرجعُ فآخُذُكم إِلَيَّ لِتَكونوا أَنتُم أَيضاً حَيثُ أَنا أَكون" (يوحنّا 14، 3). وهكذا أصبحت مريم  مثال الإيمان والرجاء لنا.

 عقيدة انتقال سيدتنا مريم العذراء 

 العقيدة في الكنيسة هي تعاليم إلهيّة مُوحاة، وممحّصة، وثابتة لا تقبل النقاش ولا تتغيّر. العقيدة هي حقيقة إيمانيّة، تخبرنا عن سرّ خلاصنا وعن عمق محبّة الله لنا.

لا يحتوي العهد الجديد على أي نص صريح عن موت أو انتقال مريم، لكن تمَّ تفسير بعض المقاطع الكتابية لاهوتياً لوصف المصير النهائي لوالدة يسوع، حيث تلتقي عقيدة انتقال العذراء بمختلف أشكالها مع النظرة المسيحية بكونها أولى المُخلَّصِين. 

ليس في الكتاب المقدس إثبات قاطع وصريح لانتقال العذراء مريم، إنما هناك دلائل في الإثبات: مريم هي "ممتلئة نعمة" (لوقا 1: 28) . هذه النعمة تضم نعمة عدم التعرض لفساد القبر. فساد القبر هو عاقبة الخطيئة واللعنة التي استوجبتها . ومريم اشتركت في انتصار نسلها يسوع على الشيطان والخطيئة والشهوة والموت، كما جاء في سفر التكوين " أَجعَلُ عَداوةً بَينَكِ  (الحيَّة الشيطانية) وبَينَ المَرأَة وبَينَ نَسْلِكِ ونَسْلِها فهُوَ يَسحَق رأسَكِ وأَنتِ تُصيبينَ عَقِبَه "  ( التكوين 3: 15) ألا يكون من الإنصاف أن مريم التي اشتركت مع يسوع في الانتصار على الخطيئة والشهوة، أن تشترك ايضا في انتصار على الموت في ثمرته التي هي فساد القبر؟   

وبناء على الوصيّة الرّابعة: "أكرم أباك وأمّك!" يسوع الفتى "كان خاضعاً" للعذراء وخطّيبها العفيف القدّيس يوسف. وأكيد أنّ السيّد المسيح، أراد أن يكرم والدته الطّهور، وأن يحفظ من فساد القبر وانحلاله ذلك الجسد البتوليّ الّذي حمله، وحفظها من فساد القبر تلك العذراء الوالدة التي كان قد نزّهها عن انحلال الخطيئة، إذ إنّ "أجرة الخطيئة هي الموت"، " فمَن زَرَعَ لِجَسَدِه حَصَدَ مِنَ الجَسَدِ الفَساد، ومَن زَرَعَ لِلرُّوح حَصَدَ مِنَ الرّوحِ الحَياةَ الأَبدِيَّة" (غلاطية 6: 8)، علمًا أنه ذُكر في  الكتاب المقدس عددٌ من الشخصيات التي رُفعت أو انتقلت بدون موت إلى السماء كالنبي إيليا (2 ملوك 2-11) واخنوخ (التكوين 5: 24). 

أشار نص سفر الرؤيا إلى مصير سيدتنا مريم العذراء، مصير مجد فائق الوصف لأنها متحدة بشكل كبير بالابن الذي تلقته بالإيمان وولدته في الجسد، وقاسمت بالكمال مجده في السماوات. وفي هذا الصدد جاءت رواية القديس يوحنا الرسول “ظَهَرَت آيَةٌ عَظيمَةٌ في السَّماء: اِمرَأَةٌ مُلتَحِفَةٌ بِالشَّمْس والقَمَرُ تَحتَ قَدَمَيها، وعلى رَأسِها إِكْليلٌ مِنِ اثَني عَشَرَ كَوكبًا، حامِلٌ تَصرُخُ مِن أَلَمِ المَخاض .... فوَضَعَتِ ابنًا ذَكرًا، وهو الَّذي سَوفَ يَرْعى جَميعَ الأُمَمِ بِعَصًا مِن حَديد" (رؤيا 12، 1 – 2؛ 5). إن عظمة مريم، أم الله، الممتلئة نعمة، والخاضعة بالكامل لعمل الروح القدس، تعيش في سماء الله بكامل كيانها، نفساً وجسداً. ويعلق البابا بولس السادس " الآية العظيمة التي شهدها يوحنا الحبيب في السماء، قد فهمتها الليتورجيا الكاثوليكية بالنسبة إلى العذراء مريم " (م7/7).

عقيدة الانتقال والليتورجيا

ظهرت عقيدة انتقال العذراء أيضًا في الطقوس المسيحية المبكرة، فترنّمت الليتورجيّة البيزنطيّة: "لقد انتقلتِ برقادكِ الموقّر إلى الحياة الخالدة محفوفة بالملائكة والرّئاسات والرّسل والأنبياء وسائر الخلائق، يا عروسة الله، الأمّ العذراء والدة الحياة! أمّا نفسك البريئة من العيب، فقد قبِلها ابنك براحتيه الطّاهرتين". 

وخصَّصت الليتورجيا عيدا خاصاً لها يوم 15 آب يسبقه صوم مدته أربعة عشر يوماً؛ وقد عمّ هذا العيد الإمبراطورية البيزنطية ما بين 588-603، وادخله إلى كنيسة روما البابا تيودورس الأول (642-649)، وهو من الاكليروس الأورشليمي. 

وأصل العيد أن كنيسة القدس كانت تقيم، منذ القرن الخامس في مثل هذا اليوم، عيداً لوالدة الإِله عُرف فيما بعد بعيد "رقاد مريم"، ثم بعيد "انتقال القديسة مريم"، منذ القرن الثامن. وأكَّدَ كاتبٌ آخَرُ قديمٌ جدًّا: "بما أنّها الوالدةُ المجيدةُ للمسيحِ مخلِّصِنا وإلهِنا واهبِ الخلود، فهو يَهَبُها الحياةَ، وهي تشاركُه إلى الأبدِ في عدمِ فسادِ الجسدِ. أخرجَها من القبرِ، ونقلَها إليه بطريقةٍ هو وحدَه يَعرِفُها" (Munificentissimus Deus. مجلد 42-769 .

لنفسح المجال لمقاطع الكتاب المقدس التي تعرضها الليتورجيا علينا لكي تهدينا؛ بشكل خاص صورة نجدها في القراءة الأولى، مأخوذة من سفر الرؤيا (11: 19؛ 12: 1-10)، يُردَّد صداها إنجيل لوقا: أي صورة "تابوت العهد" (1 أخبار 15: 3-16).  تغني الكنيسة اليوم الحب العظيم الذي يكنَّه الله لخليقته هذه: لقد اختارها كتابوت عهد، كتلك التي تستمر في ولادة المسيح المخلص وإعطائه للبشرية، كتلك التي تقاسم في السماوات ملء المجد، وفي الوقت عينه، تدعونا لكي نضحي تابوت عهد تحضر فيها كلمة الله، وتتحول وتعيش من حضوره، حضور الله الحي، لكي يستطيع البشر أن يلاقوا في الشخص الآخر قرب الرب ويعيشوا الشركة مع الله ويعرفوا واقع السماوات.

(بتصرف)