المربي الأستاذ كامل يوسف يعقوب لروحه السلام
الكاتب : فتحي فوراني
لم أكن أعرف أن "قنبلة موقوتة" تسكن في داخل الرجل وتتربص به وتتحين الفرصة المُواتية للانقضاض على فريستها المناوبة واختطاف الأحبة والابتعاد بهم إلى عالم الغيب والشهادة.
فقبل أيام ثلاثة من الرحيل يتصل بي في ساعات المساء، ويبشرني بصدور كتابه الذي يكلل مشروع حياته عن كفر برعم، ويصرّ أبو يعقوب أن يوصله لي "الآن"!! ويكون الجواب العادي: لماذا العَجلة؟ غدًا إن شاء الله سأكون عندك لآخذ حصتي! ويصر الرجل على عدم التأجيل إلى الغد.."أريد أن أوصل لك الكتاب..الآن الآن وليس غدا"!! فغدًا في علم الغيب..ويخلق ما لا تعلمون..وقد أكون في المستشفى!
ليس عندي من يوصل لك الكتاب..فابعث ابنك نضال لكي يأخذ الكتاب ويوصله لك "الآن"!!
للوهلة الأولى لم أفهم السر في هذا الإصرار، ولماذا يتوجب على الكتاب أن يصلني هذه الليلة! فلعب الفأر في عُبي..وسألت نفسي..ما عدا مما بدا!؟ وسرعان ما أتى الجواب: إن وراء الأكمة ما وراءها! وكفانا الله شر ما وراءها!
فوراءها يكمن نذير بشرّ مستطير!
لم أكن أعرف شيئًا عن تاريخ "القنبلة الموقوتة"..وعن الأزمة الصحية التي عصفت به وضربت طوقًا من الحصار على حدائق الفرح والعطاء عند الرجل!
مساء..وصل الكتاب سالمًا غانمًا إلى العنوان في شارع المتنبي. وبعدها بنصف ساعة..اتصل أبو يعقوب ليطمئن على وصول الكتاب إلى غايته. وبعث برسالة قصيرة حاملة ضحكة متقطعة مغتصبة ومتعبة يعبر فيها عن رغبته أن أطلع على الكتاب وأكتب بضع كلمات..قبل الغياب!
فكان له ما أراد. كتبت الكلمة..ويدي على قلبي!
ونشرتها على صفحتي مع صورته الباسمة والمتفائلة في شبكة التواصل الاجتماعي..
وكانت النتيجة فيضًا تجاوز المئات من التعليقات السريعة على الكتاب..التي تفيض محبة واحترامًا للمربي الكبير وتقديرًا لإبداعه المميز.
لم يمض يومان على هذه الدردشات الليلية..حتى باغتني خبر الغياب..
كانت صدمة موجعة..وكان الحزن عميقًا.
فقد ذهب الذين أحبهم..وبقيت أطارد كلمات تركتني وحيدًا وهربت مني بعيدًا.
وأصابني ما أصاب جدنا المتنبي..فشَرِقتُ بِالدَمعِ حَتّى كادَ يَشرَقُ بي.
الحزن جارح يضرب جذوره عميقًا حتى النخاع.
حبيبنا أبا يعقوب..
لقد حملتنا جبلًا من الأحزان لا طاقة لنا بحمله واحتماله.
**
لست أدري كيف أصف هذا الرجل. لقد عملنا معًا في تربية الأجيال في الكلية الأرثوذكسية العربية وفي الكلية الأكاديمية للتربية "أورانيم"، وكم كنا في ساعات الفراغ "ننصب ديوانًا" حافلًا بالدردشات، فنستأنس بما تجود به القريحة الثقافية، ونفتح قلوبنا ونتشاور في أمور الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية..وفي جميع هذه الأحاديث، كان يحدونا الأمل في حاضر جميل ومستقبل أجمل نطمح ونسعى في سبيل تحقيقه لأبناء شعبنا. فقد وضع الرجل إصبعه على الجرح التاريخي النازف..وعلّم الأجيال الصاعدة كيف تحمل المشاعل..وتبحث عن الجذور الدفينة في تراب الآباء والأجداد. فوراء كل حجر من حجارة الوطن يكمن تاريخ وأنشودة وحكاية من التراث.
كان الرجل موسوعة جغرافية وتاريخية تمشي على قدمين..ومنارة بها تهتدي الأجيال..فقد حمل قلبًا واسعًا تسمع نبضه في كل حجر وفي كل نبعة وفي كل شجرة وفي كل ذرة من تراب الوطن..وعرف كيف يوقظ التاريخ النائم وراء كل شجرة وكل صخرة وكل نبتة وكل زهرة من أزاهير الوطن، فكل حجر له حكاية وطرفة وموّال وشاهد على تاريخ. وعرف كل عين من ينابيع الوطن الثرّة نهل منها آباؤنا وأجدادنا وكانت ملاعب الصبا والذكريات والحكايات عن أيام زمان.
وفي هذا وذاك حمل البوصلة..
فكان صاحب قضية وحامل رسالة.
**
"كفر برعم- نشأة، تجذير واقتلاع"
لقد ترك لنا الرجل كتاب "كفر برعم- نشأة، تجذير واقتلاع" وهو إنجاز هام تم بناؤه بعد مسيرة سيزيفية مضنية في درب الآلام، طموحًا للتنقيب في مناجم التاريخ والجغرافية وتراث الإنسان الفلسطيني الذي ملأ المكان والزمان.
كانت النتيجة وثيقة تاريخية ومرجعًا رائدًا يستطيع الدارسون أن ينهلوا من ينابيعه ويستفيدوا منه في دراساتهم. ونحن نسمح لأنفسنا أن نرى في هذا الكتاب نموذجًا للقرى المهجرة التي زاد عددها على الـ540 قرية التي هُجّر أهلها وطمست معالمها ومسحت عن خارطة الوطن.
**
نحن على ثقة أن المربّين الذين يتحلّون بالوعي والمعرفة والمسؤولية تجاه شعبنا سيجعلون الأجيال الصاعدة تمتشق هذا العمل الإبداعي الموسوعي القيم، وتنهل من ينابيعه الثرّة لتعميق الهُوية الثقافية والتاريخية والحضارية ومشاعر الانتماء إلى وطن الآباء والأجداد.
إنه هُوية الرجل..وبصمته التاريخية..وهو شاهد على أن أبا يعقوب ما زال بيننا..وسيظل عطاؤه نبعًا تنهل منه الأجيال الصاعدة نحو الغد الأشرف.
ستظل أيها الغائب حاضرًا وخالدًا في ذاكرتنا ونابضًا في وجداننا وستظل بصماتك الخضراء منارة تهتدي بها الأجيال لتحقيق حلم مشتهى.






