الاعتداءات على الأملاك والرموز المسيحية (2012–2026)
الكاتب : الدكتور عاطف أنيس عبود - شفاعمرو
شهدت مناطق القدس والضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الحوادث التي استهدفت مواقع دينية مسيحية وممتلكات كنسية، إلى جانب مضايقات واعتداءات طالت رجال دين ومؤسسات دينية. وقد تصاعدت وتيرة هذه الحوادث بشكل ملحوظ بين عامي 2024 و2026، في ظل أجواء من التوتر الأمني والديني المتزايد.
في الفترة بين 2024 و2025، سُجلت اعتداءات في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، منها ممتلكات تابعة لمؤسَّسات كنسيَّة، إضافة إلى محاولات تعدٍّ على أراضٍ وقفية. كما شهدت بلدة الطَّيبة شرق رام الله اعتداءات مُتكرِّرة، شملت إحراق أراضٍ زراعيَّة وتخريب ممتلكات بالقرب من كنيسة الخضر (القديس جاورجيوس) والمقبرة، ما أثار ردود فعل كنسية ودولية. ما دفع جهات كنسية إلى التحذير من تداعيات هذه الانتهاكات على الوجود المسيحي في المنطقة.
ولم تقتصر هذه الاعتداءات على الممتلكات، بل امتدت لتشمل الأشخاص، إذ وثّقت تقارير متعددة حالات مضايقة واعتداءات جسدية ولفظية بحق رجال دين مسيحيين، من كهنة ورُهبان وراهبات، تضمنَّت البَصْق والدَّفع والشَّتائم، لا سيَّما في البلدة القديمة من القدس وخلال المواسم الدِّينية.

بيان استنكار وإدانة
في ضوء الحادثة الأخيرة التي وقعت قبل يومين في القدس، حيث تعرَّضت راهبة فرنسية تعمل باحثة في المدرسة الفرنسيَّة للكتاب المُقدَّس والآثار في القدس (ÉBAF). لاعتداء جسدي مباشر أثناء وجودها في محيط موقع ديني في جبل صهيون، شمل الدَّفع والإسقاط أرضًا والرَّكل، وأصيبت بـ: كَدَمات في الوجه وإصابة في الرَّأس/الجبهة (وُصفت بأنها غير خطيرة).
إننا نعبّر عن شجبنا وإدانتنا الشَّديدين لهذا الفعل الذي يمسُّ الكرامة الإنسانية وحرمة الأماكن المُقدَّسة.
إنَّ استهداف راهبة في سياق ديني لا يمكن اعتباره حادثًا فرديًّا عابرًا، بل يُشكِّل انتهاكًا واضحًا لحرية العبادة واعتداءً على قُدسيَّة المكان والإنسان. وتأتي هذه الحادثة ضمن سياق مُقلق من الانتهاكات المُتكرِّرة التي طالت المُقدَّسات المسيحيَّة ورجال الدِّين في القدس، بما في ذلك الاعتداءات على المقابر والمواقع الكنسيَّة.

ولا يمكن فصل هذه الواقعة عن سلسلة من الاعتداءات السَّابقة التي شهدتها مناطق مختلفة، حيث تعرَّض دير اللَّطرون لأعمال إحراق طالت أجزاءً منه، إلى جانب إضرام النار في بعض مرافقه ومحيطه، وكتابة شعارات مُسيئة وعنصرية على جدرانه، فضلًا عن تخريب بعض مُمتلكاته. وفي السِّياق ذاته، لم تسلم كنيسة ودير بيت جمال من الاعتداءات، إذ شهدت حوادث مُتكررة شملت تخريب مُمتلكات، وتكسير نوافذ، وغيرها والاعتداء على مقبرة الدّير وتدنيس شواهد القبور، إضافة إلى تسجيل كتابات مُسيئة في بعض الحالات. كما امتدت هذه الاعتداءات إلى مناطق في الضفة الغربية، مثل الطَّيبة ومرج المالح وتياسير، حيث طالت أراضٍ وممتلكات كنسية ومحيط دور العبادة.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ هذه المؤسسات الدِّينية لا تقتصر على دورها الرُّوحي، بل تُؤدِّي أيضًا وظائف ثقافية واجتماعية وإنسانية تخدم مختلف فئات المُجتمع دون تمييز، ما يجعل استهدافها اعتداءً على قيم إنسانية جامعة.
وقد انتشرت تفاصيل الحادثة الأخيرة عبر وسائل التَّواصل الاجتماعي، من خلال مقاطع وشهادات وصور، في انتظار ما ستسفر عنه التَّحقيقات الرَّسمية. وفي هذا السِّياق، أعلنت الشُّرطة اعتقال مُشتبه به على خلفيَّة الحادث.

وعليه، نؤكد ما يلي:
الإدانة الكاملة وغير المشروطة لجميع أشكال الاعتداء على المُقدَّسات والمُمتلكات الدِّينية.
ضرورة إجراء تحقيقات شاملة وشفَّافة، وكشف نتائجها للرَّأي العام.
محاسبة جميع المُتورطين وفرض عقوبات رادعة بحقهم.
تعزيز الحماية الفعليَّة والدَّائمة لدور العبادة والمقابر والمواقع الدِّينية.
التَّأكيد على أنَّ القدس مدينة مقدسة لجميع أتباع الدِّيانات التَّوحيدية، ويجب الحفاظ على طابعها التَّعَدُّدي.
ترسيخ قيم التَّعايش المُشترك واحترام كرامة الإنسان وحرية العبادة.
إنَّ استمرار هذه الاعتداءات لا يُهدِّد الأفراد والمؤسَّسات فحسب، بل يضرب في عُمق مفهوم التَّعدُّد الدِّيني والعيش المشترك، ويثير تساؤلات جديَّة حول فعاليَّة الحماية القانونيَّة للمُقدَّسات. ومن هنا تبرز الحاجة المُلحَّة إلى تعزيز سيادة القانون، وضمان عدم الإفلات من العقاب.
إن حماية المُقدَّسات وصون كرامة الإنسان مسؤولية لا تحتمل التَّأجيل أو التَّهاوُن، وأنَّ ترسيخ مبادئ العدالة والتَّعايش هو السَّبيل الوحيد لضمان الاستقرار والسَّلام في المنطقة.







