موقف عبد الناصر وثورة 23 يوليو من الدين
الكاتب : زياد شليوط – كاتب من شفاعمرو في الجليل ومحرر موقع "القيامة"
يقول أحمد حمروش في كتابه "قصة ثورة 23 يوليو"، الجزء الثاني منه، "كان موقف رجال قيادة الثورة حريصا على الجمع بين عقيدة الدين وارادة التطور في وقت واحد معا". (ص156). وأضاف أنه رغم التباين بينهم الا أنهم "جميعا كانوا مع الدين حتى الشيوعيين في مجلس القيادة يوسف صديق وخالد محيي الدين الذين حجوا الى بيت الله".
ومن هنا كان الاختلاف في الرؤى مع حركة الاخوان المسلمين التي وقفت في وجه التطور، لأنها تفهمه على نحو يخالف طبيعة الحياة وتطورها وانسجامها مع النظرة الدينية، حيث طلب المرشد العام للاخوان من عبد الناصر بعد نجاح الثورة أن يغلق دور السينما والمسرح ويوقف الحفلات الفنية وغيرها من مطالب غريبة تعيق تطور المجتمع وتعيده للخلف.
ان نظرة عبد الناصر كانت نظرة منفتحة وانسانية وتقدمية على عكس ما أراد المتزمتون من الاسلاميين، وأكد على ذلك عبد الناصر في "الميثاق" الذي قدمه للشعب المصري والعربي عام 1963 لتحديد مسار الدولة العصرية والرؤية القومية العربية، ومما جاء في "الميثاق" في هذا الصدد:

"إن حرية العقيدة الدينية يجب أن تكون لها قداستها فى حياتنا الجديدة الحرة. إن القيم الروحية الخالدة النابعة من الأديان قادرة على هداية الإنسان، وعلى إضاءة حياته بنور الإيمان، وعلى منحه طاقات لا حدود لها من أجل الحق والخير والمحبة. إن رسالات السماء كلها فى جوهرها كانت ثورات إنسانية استهدفت شرف الإنسان وسعادته، وإن واجب المفكرين الدينيين الأكبر هو الاحتفاظ للدين بجوهر رسالته، إن جوهر الرسالات الدينية لا يتصادم مع حقائق الحياة، وإنما ينتج التصادم فى بعض الظروف من محاولات الرجعية، أن تستغل الدين ضد طبيعته وروحه لعرقلة التقدم، وذلك بافتعال تفسيرات له تتصادم مع حكمته الإلهية السامية، لقد كانت جميع الأديان ذات رسالة تقدمية، ولكن الرجعية التى أرادت احتكار خيرات الأرض لمصالحها وحدها أقدمت على جريمة ستر مطامعها بالدين، وراحت تلتمس فيه ما يتعارض مع روحه ذاتها لكي توقف تيار التقدم".

طبعا لم تحتمل حركة الاخوان مثل هذا الكلام الذي يتعارض مع مشروعها الهادف الى انغلاق المجتمع واعتماد التفسيرات التي يرونها مناسبة لهم، وفي هذه الحالة وجدت الرجعية المحلية التي لم تكف عن رغبتها في التخلص من عبد الناصر وسياسته التقدمية، المناهضة للاستعمار والساعية لتحقيق الوحدة العربية، الفرصة مناسبة لها لركوب موجة "التدين" واستغلال الدين لأهداف سياسية بغيضة، وتحالفت مع الاخوان لضرب عبد الناصر ومشروعه القومي وبالتالي وجدت الرجعية والاخوان نفسيهما في تحالف غريب عجيب مع قوى الاستعمار العالمي، حيث التقت مصالحهم في التخلص من هذا "المارد" العربي القادم برؤى جديدة تعمل لصالح الشعب العربي في كافة أماكن تواجده.
ومما زاد في حقد الاخوان المسلمين والحركات الاسلامية المتشددة على عبد الناصر، أنه بين لهم وللجميع معنى الدين الصحيح حيث أكد أن "جوهر الأديان يؤكد حق الإنسان فى الحرية وفى الحياة"، ورأى أن "الله - جلت حكمته - وضع الفرصة المتكافئة أمام البشر أساساً للعمل فى الدنيا وللحساب فى الآخرة"، وهذا ما لا تريده الحركات الاسلامية، بينما أصر عبد الناصر على تعزيز الانسان الحر لأن "الإيمان بغير الحرية هو التعصب، والتعصب هو الحاجز الذى يصد كل فكر جديد ويترك أصحابه بمنأى عن التطور المتلاحق الذى تدفعه جهود البشر فى كل مكان". فكيف للاخوان أن ينسجموا مع أفكار كهذه؟!








