لَيسَ ما يَدخُلُ الفَمَ يُنَجِّسُ الإنسان - متى ١٥: ١-٢و ١٠-١٤

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، البطريرك الأسبق للّاتين في القدس

١ودَنا إِلى يسوعَ بَعضُ الفِرِّيسيِّينَ والكَتَبَةِ مِن أُورَشَليم، فقالوا لَه: ٢«لِمَ يُخالِفُ تَلاميذُك سُنَّةَ الشُّيوخ؟ فَهُم لا يَغسِلونَ أَيدِيَهم عِندَ تَناوُلِ الطَّعام. ١٠ثُمَّ دَعا الجَمْعَ وقالَ لَهم: «اسمَعوا وافهَموا! ١١لَيسَ ما يَدخُلُ الفَمَ يُنَجِّسُ الإنسان، بل ما يَخرُجُ مِنَ الفَمِ هو الَّذي يُنَجِّسُ الإِنسان. ١٢فدَنا التَّلاميذُ وقالوا لَه: «أَتَعلَمُ أَنَّ الفِرِّيسيِّينَ صُدِموا عِندَما سَمِعوا هٰذا الكَلام؟» ١٣فأَجابَهم: «كُلُّ غَرْسٍ لم يَغْرِسْهُ أَبي السَّماويُّ يُقلَع. ١٤دَعُوهُم وشأنَهُم! إِنَّهُم عُميانٌ يَقودونَ عُميانًا. وإِذا كانَ الأَعمى يَقودُ الأَعمى، سَقَطَ كِلاهُما في حُفْرَة.

لَيسَ ما يَدخُلُ الفَمَ يُنَجِّسُ الإنسان - متى ١٥: ١-٢و ١٠-١٤

الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرضنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة. وفي يوم السبت ٢٨ شباط/ فبراير٢٠٢٦ بدأت الحرب على إيران، واشتدت الحرب على جنوب لبنان. وقالوا أمس، الاثنين، ١٥/٦/٢٠٢٦ وقعنا على اتفاق وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. لكن من يدري ما قيمته؟ وجنوب لبنان ليس فيه، والموت مستمر في غزة، والدمار من المستوطنين في كل قرى الضفة مستمر.

"إِلى مَتى بِالظُّلْمِ تَقْضون، ووُجوهَ الأَشْرارِ تُحابون؟ (مزمور ٨٢: ٢). ارحمنا، يا رب. نعم، يا رب، اجعل أهل الحرب يفهمون كلامك ويرتدعون: "إِلى مَتى بِالظُّلْمِ تَقْضون، ووُجوهَ الأَشْرارِ تُحابون؟".. إنهم يقضون ويحكمون بالظلم، قلوبهم لا ترى. إنهم يدمرون هذه الأرض ويدمرون أنفسهم. لهم آذان لا تسمع، وعيون لا ترى. إنهم يسيئون إلى أنفسهم وإلينا جميعًا. أسرع، يا رب، إلى إغاثتنا، ونجنا من الشرير. أعطنا القوة لنصبر، ونقاوم الشر. ارحمنا، يا رب.

إنجيل اليوم

١ودَنا إِلى يسوعَ بَعضُ الفِرِّيسيِّينَ والكَتَبَةِ مِن أُورَشَليم، فقالوا لَه: ٢«لِمَ يُخالِفُ تَلاميذُك سُنَّةَ الشُّيوخ؟ فَهُم لا يَغسِلونَ أَيدِيَهم عِندَ تَناوُلِ الطَّعام" (١-٢).

لهؤلاء، الذين لا يريدون أن يروا، وأن يتعلَّموا الصلاح والاستقامة. يرون شريعة الله في أوامرَ ونواهٍ خارجية، مثل غسل الأيدي فبل الأكل وما شابه... أما طهارة القلب فليست في رؤيتهم. وجاء يسوع يكمل الشريعة، ويصحح القلوب ويطهرها. جاء يقول: ليست الشريعة في طهارة الجسد، ولا في الأيدي المغسولة أو غير المغسولة، بل في طهارة القلب.

قال النبي أشعيا من قبل:

١٣لا تَعودوا تأتوني بِتَقدِمَةٍ باطِلَة، إِنَّما إِحراقُ البَخورِ قَبيحَةٌ لَدَيَّ. رَأسُ الشَّهرِ والسَّبتُ والدَّعوةُ إِلى الحَفلِ لا أُطيقُها، إِنَّما هي إِثمٌ واحتِفال. ١٤رُؤُوسُ شُهورِكم وأَعيادُكم كَرِهَتها نَفْسي، صارَت عَلَيَّ، حِملًا وقد سَئِمتُ احتِمالَها. فحينَ تَبسُطونَ أَيدِيَكم أَحجُبُ عَينَيَّ عنكم، وإِن أَكثَرتُم مِنَ الصَّلاةِ لا أَستَمِعُ لَكم لِأَنَّ أَيدِيَكم مَمْلوءَةٌ مِنَ الدِّماء" (١٣-١٥).

يرفض الله المراءاة ويدعو إلى التوبة:

١٦فٱغتَسِلوا وتَطَهَّروا، وأَزيلوا شَرَّ أَعْمالِكم مِن أَمامِ عَينَيَّ، وكُفُّوا عنِ الإِساءَة. ١٧تَعَلَّموا الإِحسانَ والتَمِسوا الحَقّ، قَوِّموا الظَّالِمَ وأَنصِفوا اليَتيم، وحاموا عنِ الأَرمَلَة. (أشعيا ١: ١٦-١٧).

جاء يسوع المسيح ليطهِّر قلب الإنسان. ليست شريعة الله أعمالًا ظاهرة أو مراءة تطلب مجد الناس، وليست تقاليد بشر، بل هي قلب الله، يهدي الإنسان إلى حب الله، وحب القريب.

كلام يسوع قاسٍ تجاه المرائين المدَّعين أنهم معلِّمو الشعب، وهم منافقون:

"دَعُوهُم وشأنَهُم! إِنَّهُم عُميانٌ يَقودونَ عُميانًا. وإِذا كانَ الأَعمى يَقودُ الأَعمى، سَقَطَ كِلاهُما في حُفْرَة" (١٤). عميان يقودون عميانًا، مراؤون، مسحاء كذبة، لا يريدون أن يروا حبّ الله والقريب. أو هم اليوم مسحاء كذبة، في خدمة الظالمين المستبدين، لا يحبون الله ولا يحبون القريب. يحبون أنفسهم، ويسلكون طرق الناس لا طرق الله.

وأضاف يسوع للذين يبحثون عن الحق: "«كُلُّ غَرْسٍ لم يَغْرِسْهُ أَبي السَّماويُّ يُقلَع "(١٣). القادم من عند الله، والمتكلم باسم الله، يثبِّتُه الله، ويظهر المؤمن أنه من الله، إذا أحب قريبه وضحى بنفسه من أجل إخوته وأخواته.

الله هو الحق. ويسوع الذي هو والأب واحد قال: أنا الطريق والحق والحياة. اتركوا كل شيء، ازهدوا بكل شيء واتبعوني، اتركوا المصالح، المجد الباطل، كل خير أرضي، وانظروا إلى السماء. انظروا إلى العلى حتى تروا وتدركوا نور الله الذي يطهر القلوب والأيدي المتسخة بالدماء وبالمظالم. ليست شريعة الله الأكل بأيدٍ مغسولة أو غير مغسولة، بل هي قلب طاهر مغسول بنور الله وبحبه، لا يسيء إلى الإخوة، قلب يعبد الله بالروح والحق، ويحب الله والقريب.

ربي يسوع المسيح، علمنا، نورنا، خلصنا من كل مراءاة، من كل بحث عن مصلحة أرضية. علِّمنا وأعطنا القوة لكي نتبعك أنت الطريق والحق والحياة. آمين.

الثلاثاء ٤/٨/٢٠٢٦           بعد الأحد الثامن عشر من السنة