طوبى لِلعُيونِ الَّتي تُبصِرُ ما أَنتُم تُبصِرون - لوقا: ٢١-٢٤

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس

زمن سلام جديد؟ هل انتهت الحرب القديمة؟ ٧٣٤ يوم حرب، ابتداء من ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ وحتى يوم الخميس ٩/١٠/٢٠٢٥ لما وقعوا على اتفاقية سلام. هل نبدأ نعُدُّ أيام السلام؟ "الرَّبُّ يَفتَحُ عُيونَ العُمْيان، الرَّبُّ يُنهِضُ الرَّازِحين. الرَّبُّ يُحِبُّ الأَبْرار" (مزمور ١٤٦: ٨). ارحمنا، يا رب. الأرض فقدت البصر، يا رب. والناس أيضًا لا يرونك. الموت هو السيد. والعميان هم الأسياد. افتح يا رب، "عُيونَ العُمْيان، وأنهِضْ الرَّازِحين". أظهر وجهك لأبنائك، يا رب. إننا نؤمن، بالرغم من كل ويلاتنا، بالرغم من شر الأشرار. إليك نصرخ يا رب، إليك نتضرع. نجنا من الشرير. أعطنا السلام. ارحمنا، يا رب.

طوبى لِلعُيونِ الَّتي تُبصِرُ ما أَنتُم تُبصِرون - لوقا: ٢١-٢٤

إنجيل اليوم

"في تِلكَ السَّاعَةِ تَهَلَّلَ بِدافِعٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس فقال: «أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّماءِ والأَرض، على أَنَّكَ أَخفَيتَ هٰذِه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وَكَشَفْتَها لِلصِّغار. نَعَم، يا أَبَتِ، هٰذا ما كانَ رِضاكَ. قَد سَلَّمَني أَبي كُلَّ شَيء، فَما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ مَنِ الِابْنُ إِلَّا الآب، ولا مَنِ الآبُ إِلَّا الِابنُ ومَن شاءَ الِابنُ أَن يَكشِفَه لَه». ثُمَّ التَفَتَ إِلى التَّلاميذ، فقالَ لَهم على حِدَة: «طوبى لِلعُيونِ الَّتي تُبصِرُ ما أَنتُم تُبصِرون. فإِنِّي أَقولُ لَكم إِنَّ كَثيرًا مِنَ الأَنبِياءِ والمُلوكِ تَمنَّوا أَن يَرَوا ما أَنتُم تُبصِرونَ فلَم يَرَوا، وأَن يَسمَعوا ما أَنتُم تَسمَعونَ فلَم يَسمَعوا» (٢١-٢٤).

 

       يسوع يصلي، ممتلئًا بالروح القدس. هو واحد مع الآب. إنسان وهو كلمة الله الأزلي، والأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس. لنفكر ولنتأمل. الله على أرضنا، بيننا. مع أن خطيئتنا كبيرة، وضعفنا كثير، وحروبنا كثيرة... ومع ذلك، الله بيننا على أرضنا.

       الله يكشف نفسه للصغار، والمتواضعين، للرعاة في بيت لحم، لكل الذين يريدون أن يروا أكثر ممَّا في الأرض، للذين يقاومون كل شر بما في ذلك شر الحرب. الله يكشف نفسه للذين لم يفقدوا البصر، ويرون إخوتهم وأخواتهم واحتياجاتهم وآلامهم الكثيرة ويمُدُّون أيديهم إليهم.

       «أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّماءِ والأَرض، على أَنَّكَ أَخفَيتَ هٰذِه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وَكَشَفْتَها لِلصِّغار". من هم الصغار؟ هل نحن بين الصغار الذين يُظهِرُ الله أبونا نفسه، أم نحن ممتلئون منتفخون بأنفسنا، وبمعارفنا، ولا نشعر بحاجة إلى الله أبينا؟

       ممتلئون بالأرض. بهمومنا اليومية. ولم يبق مكان لخالق الأرض، لأبينا.

       الصغار ينتظرون عيد الميلاد، لا الزينة الخارجية، بل مجيء الله بين الناس، لا في مظاهر خارقة، قادمًا بين ملائكة السماء، بل في مغارة. الصغار هم الرعاة الذين يكشف لهم الملائكة عظمة الله. الله وحده كائن. من دونه أنا لا أوجد. كلنا لا نوجد. الله يعطينا الوجود والحياة والعمل والمعرفة والإرادة... كل شيء يأتينا من الله. عيد الميلاد يعني أن نفتح عيني قلبنا لنرى الله، على الأرض، بالرغم من ظلمات الأرض، وبين رتابة الحروب والخطيئة فيها.

       هل أنا بين الصغار؟ هل أترك الروح يملأني؟ "أفيضت المحبة فينا بالروح القدس الذي وهب لنا" (روما ٥: ٥). وُهِب الروح القدس لنا. هل تقول لي ذلك رتابة حياتي في كل يوم؟.هل أنا وحدي، مُفرَغٌ، غارقًا في الأرض.

       يسوع كلمة الله، الممتلئ بالروح القدس، جاء ليعرِّفَنا بالآب، ليفتح عيوننا ويقول لنا من نحن. "الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي كان في حضن الآب هو الذي عرَّفنا به" (يوحنا ١: ١٨).

       أنا لستُ فقط ما أرى وأُحِسّ من نفسي، لست جسدي ونفسي فقط، أنا أكثر من ذلك. فيَّ شيء لا يُرَى. فيَّ كل سر الميلاد. لي أنا الصغير بين الصغار، الميلاد هو يسوع كلمة الله الذي صار إنسانًا، "الذي كان مع الآب وجاء يعرفنا به".

       "طوبي للعيون التي ترى" وللآذان التي تسمع. الصغار يرون ويسمعون، ما تمنى الأنبياء أن يروا ويسمعوا ولم يتم لهم. الصغار في كل زمان، في كل ظرف، في الحرب والمجاعة... يرون ويسمعون أكثر مما في الأرض وأكثر من خطيئة الأرض. أرى الله الآب، وأعرف أني على صورته، قادر على الصلاح مثله، في حياتي مع إخوتي وأخواتي.

       الله يظهر نفسه للصغار. فهم أكبر من كل كبير في الأرض. هم يملكون ولهم الشيء الكثير، "محبة الله التي أقيضت في نفوسنا بالروح القدس الذي وُهِبَ لنا" (روما ٥: ٥).

       ولد يسوع خارج مدينة بيت لحم. لم يكن له مكان في المضافة. في الجبل، في مغارة... هناك وُلِد، وهناك الصغار يقدرون أن يروه، والفقراء أيضًا.

       أكون كبيرًا وأعمى لا أعرف من أنا، أم أكون صغيرًا وأعرف نفسي في نور الله، وأعرف كل خليقة الله، وأرى الله معنا، وفيَّ؟

       ربي يسوع المسيح، نحن في زمن الميلاد، زمن مجيئك على الأرض، زمن حبك اللامتناهي للبشر. ونحن، وأنا، غارق في روتين حياتي وهمومي. يبدو أن الأرض تكفي نفسها وتكفيني ولا تترك مكانًا في نفسي لك. تملأني همومي، آلامي، الحروب، وشر الأشرار، وكل شر الأرض... ربي يسوع المسيح قدِّسني، وقدِّس كل إخوتي وأخواتي، حتى نراك في أرضنا، حتى أراك في قلبي، واملأني بك، واملأ أنت وحدك كل المكان فيَّ. آمين.

الثلاثاء ٢/١٢/٢٠٢٥                                   الأحد الأول من المجيء/ السنة/أ