شادي جميل في دار الأوبرا: ‘انسى غرامك راح!‘
الكاتب : رشا فرج – صحيفة "الأخبار" اللبنانية
عاد إلغاء حفلة المطرب السوري شادي جميل في دار الأوبرا في دمشق إشعال الجدل حول علاقة الفن بالسياسة في سوريا الجديدة. بين دعوات المحاسبة والإقصاء، برزت تساؤلات عن المعايير المعتمدة، وحدود العدالة الثقافية، والتناقض في التعامل مع شخصيات ارتبطت بالنظام السابق، مع انتشار مقطع فيديو لوزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح يؤكد فيه إلغاء حفلة المطرب شادي جميل، التي كانت مرتقبة في دار الأوبرا في دمشق، تحول الخبر إلى جدل على منصات التواصل الاجتماعية حول تحوّل المسارح إلى ساحة تصفية حسابات رمزية وسجالات افتراضية وسياسية محتدمة.
أحد أعمدة الطرب الحلبي المعاصر
من أجل فهم حجم الجدل حول قرار الإلغاء، لا بد من التذكير بالقيمة الفنية التي يمثلها المطرب السوري شادي جميل. يعتبر ابن مدينة حلب أحد أبرز أعمدة الطرب الحلبي المعاصر، تمكّن من المحافظة على القدود الحلبية والمواويل الطويلة.
يمتلك جميل هويته الطربية الخاصة التي رسّختها أعمال شهيرة أبرزها أغنيته الأيقونية «انسى غرامك راح» التي بات عنوانها اليوم يختصر حال حفلته الملغاة، إضافة إلى أغنيات طبعت الذاكرة مثل «ليش أنا حبك جنون»، و«شهبا يا شهب» التي تغنى فيها بقلعة حلب، و«رشرش حبك يا جميل».
وجاء قرار إلغاء أمسية جميل بشكل مفاجئ قبل أيام من موعدها بعد انتشار مقطع فيديو قديم للمطرب السوري يظهر فيه وهو يغني للرئيس السوري السابق بشار الأسد. أشعل هذا الأمر حملة افتراضية شرسة ضده على منصات التواصل الاجتماعي، طالبت بمنعه من الصعود إلى مسرح الأوبرا، فيما رفض جميل التعليق على أسباب إلغاء حفلته قبل ورود توضيح رسمي من الوزارة.

الرئيس بشار الأسد
طوال مسيرته، تميز جميل بحضور مسرحي قوي في أكبر المهرجانات العربية كقرطاج، وآخر نسخة من «معرض دمشق الدولي» الذي حضره الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع. ولم تنقطع صلة صوته بالجمهور حتى في أحلك الظروف، إذ واصل تقديم الفن الأصيل وصولاً إلى أعماله الأخيرة مثل «له يا غالي» و«غربة وسفر رحال»، ليبقى صمام أمان للتراث الموسيقي السوري.
الوزير الشاعر: ما في مكان لمغني نظام البراميل!
وكان وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح قد ظهر في مقطع فيديو في استجابة سريعة لضغط السوشال ميديا، وهو يؤنب بعنف الجهة التي منحت الموافقة، موجهاً كلامه إلى منظم الحفلة: «عليك تحمل الخسائر لأنه لا يمكن السماح لمن غنى لنظام البراميل بالغناء في دار الأوبرا». هذه الاستراتيجية الرقمية تكررت في مواقف الوزير السوري، الذي يبدو أنه يستفيد من هذه الأزمات لنشر فيديوهات تظهره بمظهر المسؤول الحاسم الذي لم يكن يعلم بالتجاوزات، وبأنه يتحرك فوراً للمحاسبة. علماً أنه نفسه وقع في موقف مشابه بعد قبوله دعوة من قبل إحدى الشخصيات المؤيدة للنظام السابق.

دار الأوبرا في دمشق
ولم يتوقف الأمر عند الوزير، بل انضم إلى الحملة المدير العام لمديريات الثقافة والمراكز الثقافية في سوريا، أنس الدغيم، الذي علق على حسابه على إكس بعبارة حادة ومباشرة ضد شادي جميل جاء فيها «فلينقلع إلى موسكو ويغني هناك». هذه المفردات الصادمة واللغة الإقصائية العنيفة جاءت متعارضة تماماً مع الصورة التي يقدم بها الدغيم نفسه بوصفه أحد أبرز شعراء سوريا المعاصرين، والملقب بـ «شاعر السيرة» لتميّزه باستلهام القَصص القرآني وسير الأنبياء.
من ليندا بيطار إلى شادي جميل
ورغم قسوة الموقف تجاه شادي جميل، يبدو أن وزارة الثقافة استغلت هذه الحادثة لتصحيح «لغط» سياسي وثقافي آخر لحق بحفلة الفنانة السورية ليندا بيطار الأخيرة التي أقيمت برعاية الوزارة والسفارة الفرنسية. إذ واجهت أمسية بيطار بدورها انتقادات لاذعة من جمهور السلطة الجديدة على اعتبار أنها شاركت سابقاً في أوبريت في دار الأوبرا حملت شعارات مؤيدة للنظام السابق.
وجاء إلغاء حفلة شادي جميل بمثابة تصحيح غير مباشر وصرف للأنظار عن أزمة ليندا بيطار، لإثبات أن الوزارة تقف على مسافة واحدة لحماية فضاء الثورة العام.
تفتح حادثة إلغاء حفلة شادي جميل الباب أمام تساؤلات أعمق تخص الهوية السياسية والاجتماعية لسوريا المستقبل. كيف تتعامل السلطة الجديدة مع جمهور ومؤيدي النظام السابق؟ وكيف يُصنّفون: هل هم «فلول ومتورطون» يجب إقصاؤهم واجتثاثهم فنياً وثقافياً، أم هم «مواطنون» تجوز معهم التسوية؟
تكمن المفارقة في المعايير المزدوجة التي تثير جدلاً واسعاً؛ ففي الوقت الذي يُمنع فيه فنان طربي بحجم شادي جميل من الغناء بسبب موقف أو أغنية، تقود السلطات السورية الجديدة عمليات مصالحة وتسويات شملت شخصيات اقتصادية ورجال أعمال بارزين كانوا حتى الأمس القريب عصب النظام السابق المالي.







