بالرغم من كل شيء، أملُنا حي في الله
الكاتب : مُفَكِّرُونَ مَسِيحِيُّونَ مِنَ القُدْسِ +البطريرك ميشيل صبّاح
بعد سنة كاملة من الحرب التي لم تتوقَّف، والموت يعمل فينا ولا يتوقَّف، نشعر بالحاجة مواطنين ومسيحيين للبحث عن الرجاء الذي يأتي من إيماننا. أولا، يجب أن نعترف بأننا منهكون، مثقلون بالقهر والخوف. إنا نحدِّقُ في الظلام. المنطقة كلها في قبضة الموت، وسفك الدماء ما زال يزداد ولا يسلم منه أحد. أمام أعيننا، صارت أرضنا المقدسة الحبيبة أنقاضًا وكذلك المنطقة كلها.
نرى ونبكي يوميًا عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الذين قتلوا أو جرحوا، خاصة في غزة، ولكن أيضًا في الضفة الغربية وإسرائيل ولبنان وأبعد من ذلك في سوريا واليمن والعراق وإيران. نحن غاضبون أمام الدمار الذي لحق بالمنطقة. وفي غزة، أصبحت المنازل والمدارس والمستشفيات وأحياء بأكملها الآن أكوامًا من الأنقاض ويسودها المرض والجوع واليأس. فهل هذا هو النموذج لما ستصبح عليه منطقتنا؟
ومن حولنا الاقتصاد تهدَّم، والأعمال توقفت، وصار يصعب على العائلات أن تجد خبزها اليومي. وفي إسرائيل أيضًا الكثيرون يبكون موتاهم ويملأهم القلق والخوف. هل هناك طريق آخر؟
لم تبدأ نكبتنا في ٧ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٣. بدأت دورات العنف ولم تنته حتى اليوم، منذ عام ١٩١٧، ثم كانت حرب ١٩٤٨، ثم سنة ١٩٦٧، واستمرت بعد ذلك حتى اليوم. واليوم، هل تحقق الحلم الصهيوني بوطن آمن لليهود في دولة يهودية اسمها إسرائيل؟ بل ما زالت إسرائيل تبحث عن أمنها. أما الشعب الفلسطيني فما زال عالقًا في واقع الموت والنفي والتهجير، يقاوم ويطالب بحقه في البقاء في أرضه ومدنه وقراه.
والمأساة الكبرى هي أن المجتمع الدولي ينظر إلى الأمر بلا مبالاة تقريبًا. وتتكرر الدعوات لوقف إطلاق النار ووضع حد للدمار دون أي محاولة جادة لكبح جماح أولئك الذين يعيثون فسادًا. وتتدفق إلى المنطقة أسلحة الدمار الشامل ووسائل ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية.

ومع استمرار كل هذا، يتردد السؤال: متى سينتهي هذا؟ إلى متى يمكننا البقاء في مثل هذه الحياة؟ ما هو مستقبل أطفالنا؟ هل يجب أن نهاجر؟
ونحن المسيحيين نواجه أسئلة أخرى أيضًا: لا يمكن أن نكون في هذه الحرب مجرد متفرجين؟ فأين نقف في هذا الصراع الذي يظهر أحيانًا أنه صراع بين اليهود والمسلمين، بين إسرائيل من ناحية، وحماس وحزب الله تدعمه إيران، من ناحية أخرى؟ هل هذه حرب دينية؟ هل نعزل أنفسنا ونبحث عن أمان لا أساس له؟ لا يمكن أن نعزل أنفسنا عما يدور حولنا. ولا يمكن أن نشاهد ونصلي ونبقى على الهامش، على أمل أن تنتهي أعمال العنف يومًا.
الجواب هو "لا" مدَوِّية. هذه الحرب ليست حربًا دينية. ويجب علينا أن ننحاز إلى جانب العدالة والسلام والحرية والمساواة. وعلينا أن نقف إلى جانب كل هؤلاء، مسلمين ويهودًا ومسيحيين، الذين يسعون إلى وضع حد للموت والدمار.
ونعمل ذلك لأننا نؤمن بالله الحي، ونحن مقتنعون بأنه يجب علينا أن نبني المستقبل معًا. على الرغم من أن مجتمعنا المسيحي صغير، إلا أن يسوع المسيح يذكرنا بأن حضورنا هو إيماننا. ونحن واثقون بقيامته، ودعوتنا هي أن نكون مثل الخميرة في عجينة المجتمع. وبصلاتنا وتضامننا وخدمتنا ومساهمتنا وأملنا الحي، نشجع جميع من حولنا، من جميع الأديان والذين ليس لهم إيمان، على إيجاد القوة اللازمة لانتشال أنفسنا من إرهاقنا الجماعي وإيجاد طريق للمضي قدمًا.
لكن لا أحد منا يستطيع أن يفعل هذا بمفرده. ولهذا ننظر إلى رؤسائنا، إلى أساقفتنا وكهنتنا، ننتظر منهم كلمة هداية. نحن بحاجة إلى رعاتنا ليساعدونا فنجد أنفسنا أقوياء عندما نكون معًا. كل واحد وحده، منعزل ينغلق في صمته ولا يقدر شيئًا. معًا فقط نقدر أن نجد القوة لمواجهة التحديات.
وفي تعبنا ويأسنا، نتذكَّر الرجل المشلول، في الإنجيل (مرقس ٢: ١-١٢) الذي لم يكن قادرًا وحده على الوقوف. لكن، لمــَّا حمله أصدقاؤه، وفكَّروا وثقبوا السقف وأنزلوه على فراشه أمام يسوع، تمكن من الوصول إلى يسوع الذي قال له: "قم وامش".
هذه هي حالنا. يجب أن نحمل بعضنا أثقال بعض، إن أردنا أن نتقدم. يجب أن نفكِّر، متأصلين في المسيح، لنجد الفرص حيث يبدو أنه لا توجد أية فرصة. عندما نبلغ حدود الأمل، نحمل معًا بعضنا بعضًا، ونتوجه إلى الله ونطلب المساعدة.
نحن بحاجة إلى هذه المساعدة حتى لا نيأس، وحتى لا نقع في فخ الكراهية. إيماننا بالقيامة يُعلِّمُنا أن جميع البشر هم موضوع محبة الله ومحبتنا، وهم متساوون، وقدخلقنا الله جميعًا على صورته: نحن أبناء الله وإخوة وأخوات بعضنا لبعض. إن إيماننا بكرامة كل إنسان يتجلى في خدمتنا للمجتمع الواسع، وتشهد لذلك مدارسنا ومستشفياتنا وخدماتنا الاجتماعية التي تعنى بجميع المحتاجين، دون تمييز.
إيماننا هو الذي يحملنا أيضًا على قول الحق ومعارضة الظلم. نحن مؤمنون بالسلام الذي أعطانا إياه يسوع المسيح، والذي لا يمكن لأحد أن ينتزعه منَّا. المسيح نفسه هو "سلامنا" (أفسس ٢: ١٤). ونحن لا نخاف من التنديد صراحة بكل أنواع العنف والقتل والتجريد من الإنسانية. إيماننا يحملنا على رؤية أرض بلا جدران ولا تفرقة، أرض فيها مساواة وحرية للجميع، ومن أجل مستقبل نعيش فيه معًا.
سيكون سلام فقط إذا انتهت مأساة الشعب الفلسطيني. إذاك فقط سينعم الإسرائيليون بالأمان. نحن بحاجة إلى اتفاقية سلام عادلة ونهائية بين الطرفين، لا إلى أنصاف حلول أو حلول موقتة. إسرائيل يجب أن تستفيق، يمكن أن تحدث بقوتها دمارًا كثيرا، ويمكن أن تقوم بالاغتيالات، وبإزالة كل من قاوم الاحتلال والتفرقة. لكنها لا تقدر بهذا أن تحقق أمنها. وأصدقاء إسرائيل في الأسرة الدولية يجب أن يساعدوا في الحل العادل النهائي، فيعترفوا أن جذور الصراع هو إنكار حق الشعب الفلسطيني في الوجود في أرضه حرًّا مستقلًّا.
مستقبل السلام يعتمد على العمل معًا، مع أكثر من جماعاتنا المسيحية. نحن شعب واحد، مسيحيون ومسلمون، ومعًا يجب أن نبحث عن الطريق لتجاوز دوائر العنف. ومعًا يجب أن ندخل في حوار مع اليهود الإسرائيليين الذين سئموا هم أيضًا الكلام والأكاذيب وإيديولوجيات الموت والدمار.
فليكن كل واحد سندًا لأخيه، ولنحافظ على الأمل حيًّا، عالمين أن السلام ممكن. سيكون صعبًا لكننا نتذكَّر أننا عشنا يومًا في هذه الأرض معًا، مسيحيين ومسلمين ويهودًا. هناك لحظات كثيرة يبدو فيها الطريق مسدودًا. ولكننا معًا سوف نشق الطريق ونتقدم، متجذرين في رجاء الله، وهذا "الرجاء لا يخيِّبنا" (رومية 5: 5). أملنا في الله، وفي أنفسنا وفي كل إنسان، وضع الله فيه شيئًا من صلاحه.
القدس ٧ تشرين الأول/ ٢٠٢٤






