موقع "القيامة" يلتقي رجل المجتمع الفلاّح إبراهيم نعوم في حديث حول موسم المطر وعادات الفلاحين في معرفة أحوال الطقس

إبراهيم نعوم (أبو مبدا)، يصرّ على تعريفه بأنه "فلاّح ابن فلاّح"، ويرفض أي تعريف آخر في اللقاءات العامة، لكن أبو مبدا معروف بتاريخه الحافل بالنشاط السياسي والمدني والمجتمعي، فهو عضو لجنة الإصلاح القطرية حاليا، وكان نشيطا في عدة اطر سياسية ومجتمعية وخاصة في قضايا الأرض والإغاثة الإنسانية وغيرها.

موقع "القيامة" يلتقي رجل المجتمع الفلاّح إبراهيم نعوم في حديث حول موسم المطر وعادات الفلاحين في معرفة أحوال الطقس

 

موقع "القيامة" قام بلقاء رجل المجتمع و"الفلاح" الأصيل إبراهيم نعوم، في هذه الأيام التي شهدت قلقا من عدم هطول الأمطار (لكننا بوركنا أمس واليوم بمطر وافر)، للاستفادة من خبرته الطويلة في هذا المضمار، وخاصة من خبرة وحكمة آبائنا وأجدادنا الذين اختبروا الحياة بظواهرها الطبيعية، وارتبطت حياتهم فيها بالأرض خاصة والمواسم الزراعية، وبناء عليه كان لنا هذا اللقاء مع أبو مبدا.

القيامة: بداية نود، وبناء على خبرتك، معرفة ما إذا هناك داع للقلق من شحة المطر، وخاصة على ضوء ازدياد الحديث عن هذا الموضوع؟

نعوم: إن ما يقال ويتكرر بأنه لم يسبق أن مرّ علينا وضع كهذا من حرارة وقلة مطر لم يسبق أن حدث، أمر غير صحيح، بل مرّت علينا أكثر من مرّة، وسبق أن شهد الطقس حرارة عالية في هذه الأشهر وقلّة مطر. وهذا الأمر لا يدعو للقلق، لأن فصل الشتاء يبدأ رسميا في شهر كانون أول.

وقد قال أجدادنا وآباؤنا "بِمْحِلْهَا على نهر وبِغّلْها على جمر"، ويقصدون بذلك أن قلّة المطر أحيانا يؤدي الى نتيجة أفضل لموسم الزراعة من كثرة المطر. واعتبر الفلاحون ان السنة بخواتمها.

القيامة: هل لك أن تأتي لنا بأمثلة على تلك المقولة؟

نعوم: كانت الزراعة تتم عادة في شهر كانون أول بعد الشتوة الأولى خاصة. وكان يدعى هذا الشهر "الأجرد" عندما يكون فيه المطر خفيفا. وقد قال الفلاحون عن ذلك "اللي ما بزرع في الأجرد، عند الحصايد يحرَد" أي من لا يزرع في شهر كانون أول سيندم عند الحصيد في أوائل الصيف، لذا كان الفلاحون يرددون "السنة بخواتمها"، أي علينا انتظار نهاية السنة وعدم اطلاق الأحكام من بداية الموسم.

وكان الفلاحون يقولون بمناسبة عيد القديس جريس في اللّد "على عيد لدّ إللي ما شدّ يشدّ"، أي أن الشتاء يبدأ في أواسط شهر تشرين ثاني، في مثل هذه الأيام والوسم – المطر الغزير- يحدث إما قبله بأسبوعين أو بعده بأسبوعين. لقد كانت حسابات الفلاحين واقعية وكان تركيز عملهم يتم وفق هذه القاعدة.

القيامة: نفهم من هذا أن الفلاحين اعتمدوا على الطبيعة وظواهرها للحكم على الموسم الزراعي وما يتعلق به!

نعوم: بالضبط، مصدر المعرفة للفلاح كانت الطبيعة. مثلا مطر آذار مهم واساسي وقال فيه أجدادنا "شهر آذار يحيي ويميت. وأطلقوا على شتوة شهر تشرين أول تعبير "طُرح"، لأنها شتوة خفيفة ويتيمة، وهكذا المرأة عندما تلد ابنا ميتا قالوا عنه "طُرح"، ومن هنا جاءت مقولة "تطرح طرح" عن شتوة تشرين أول.

القيامة: وأنت لك تجربة تقوم بها كل عام وهي أكوام الملح، فما قصة هذه الأكوام وعلى ماذا تدل؟

نعوم: يظن البعض أن هذا اعتقادات لا قيمة لها، بينما حضر قبل عامين اليّ رئيس قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة حيفا، البروفيسور أهارون غيفع كلينبرغر، وقام باعداد فيلم مصور للتلفزيون عن أكوام الملح وقياسها للمطر ومعرفة كمية الرواسب والأمطار التي ستهطل خلال الموسم القادم، من خلال عادة قديمة عند الفلاحين تتمثل في وضع أكوام صغيرة من الملح على جسم مستو.

لقد أخذت هذه العادة ممن سبقني، في عيد الصليب أقوم بوضع أكوام ملح متساوية الحجم والشكل على سطح مستو وأعرضها للندى، وفي الصباح تجد بعض الأكوام قد ذاب جزء منها وبعضها بقي سليما، وهذا يدل على الأشهر التي ستشهد مطرا أولا. وهذا العام دلت التجربة عندي بأن شهر كانون أول سيشهد مطرا كثيرا، وقد أسماه أجدادنا "فحل الشتاء"، بينما الشهر الحالي تشرين ثاني يكون المطر فيه خفيفا. وشهر كانون ثاني وشباط أيضا ستهطل فيه الأمطار لكن أقل من كانون أول، وباقي الأشهر يكون المطر خفيفا.

أبو مبدا يشرح عن عادة أكوام الملح

القيامة: نعود الى قلة المطر، ماذا تحفظ في ذاكرتك من عادات وأحداث حصلت تتعلق بعادة الخروج في طواف صلاة استسقاء؟

نعوم: كما ذكرت سابقا فان قلة المطر او انحباسه كليا كان يطول في بعض السنوات، بل كان يمر رأس السنة الجديدة دون مطر، وكان كهنة الكنائس في عيد الغطاس يزورون البيوت ويرشونها بالماء المقدس، ولهذا استعملوا مياها قديمة في بعض السنوات لهذا الغرض.

أذكر أنه في احدى السنوات القاحلة، خرج الناس في طواف والصلاة طلبا للاستسقاء، وكان على رأسها رجال دين من بينهم القس موسى عازر، وهو أردني بقي هنا حتى عام 1948، كان راعيا للكنيسة الأسقفية وكان انسانا حكيما وعقلانيا، وجاء يحمل مظلة وكان الوحيد في ذلك، ولما انتهى الطواف وابتدأ الناس في العودة إلى بيوتهم بدأ رذاذ المطر يتساقط. في اليوم التالي وفي ديوان والدي، وكان يتردد عليه القس موسى سأله بعض الحضور، عن سبب احضاره المظلة وعما إذا كان يعلم بهطول المطر، فأجابهم: أنا رجل دين، جاءني الهام من ربّ العالمين"!

ومن الدعاءات التي كان يرددها الناس أثناء الطواف خاصة عندما يصلون امام أحد المعابد الدينية: " يا بيت اللّه جينا عليك.. قاصدينك، زايرينك، نطلب الرحمة من اللّه". أو "يا ربّ تبلّ الشرشوح.. واحنا بعدك بلا روح". والشرشوح هو شخص من خشب وقماش كان ينصبه الفلاحون في حقولهم لطرد الطيور، وغيرها.