"القيامة" في لقاء مع رئيس لجنة المتابعة العليا الأسبق محمد زيدان: لا يمكن التخلي عن انتمائنا لشعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية
القيامة – قام الكاتب زياد شليوط، رئيس تحرير موقع "القيامة"، بزيارة خاصة للسيد محمد زيدان (أبو فيصل) في منزله في قرية كفرمندا، مع صديقه الكاتب محمد علي سعيد، وخلال الزيارة أجرى معه حوارا حول تجربته حيث سبق وأشغل سابقا مهام عديدة منها رئيس المجلس المحلي، رئيس اللجنة القطرية للسلطات المحلية العربية ورئيس لجنة المتابعة العليا. وفيما يلي أهم ما جاء في هذا الحوار.
القيامة: شهدت قرية كفرمندا مؤخرا انتخاب إعادة لرئيس المجلس المحلي، ومرت عملية الانتخاب بسلام وهدوء، ما هو تعليقكم على ذلك؟
زيدان: بلدنا طيب، ولا يحمل أبناؤه أحقادا، حتى لو اختلفوا وتشاجروا، تجدهم في اليوم الثاني يجلسون معا ويتبادلون الحديث بشكل ودي كما اعتادوا، لهذا نحمد الله أن الانتخابات مرت بهدوء ودون إشكاليات، مما يدل على وعي وطيبة أهل بلدنا.

القيامة: أبو فيصل، انكم تعتزون بانتمائكم الفلسطيني. كيف ترى وضع الشعب الفلسطيني في السنوات الأخيرة؟
زيدان: أرى أن الشعب الفلسطيني أكثر الشعوب العربية وعيا، ولا أقول ذلك تعصبا أو تبجحا، انما أرى ذلك حقيقة ملموسة. ويعود ذلك برأيي كون الشعب الفلسطيني مر بظروف وتجارب لم تمر بها سائر الشعوب العربية. فالمحن التي مرت على شعبنا الفلسطيني صقلته وجعلته يكتسب تجربة فريدة ووعيا مميزا، ومن تلك المحن النكبة عام 1948 التي أدت إلى تشريد معظم أبناء الشعب الفلسطيني في الدول العربية وأرجاء العالم، فهذا الشتات أثر كثيرا في تطور وصقل الشعب، يضاف إليها هزيمة حزيران 1967 وهجرة الألوف من أبناء الشعب الفلسطيني مجددا من وطنه. وأضيف أن الجزء الذي بقي في أرضه داخل فلسطين بعد العام 1948، يعتبر الجزء الأكثر وعيا بين أجزاء الشعب الفلسطيني".
القيامة: كيف يتفق الوعي الذي تشير إليه مع العودة إلى أساليب المخاتير والقيادة التقليدية، في مسايرة الحكومة ودعمها للحصول على بعض المكاسب؟
زيدان: هناك قاعدة ثابتة لا تتغير وهي أننا نعيش في دولة يهودية بعيدة عنا في جوهرها، ولا نتفق مع تعريفها ولذا نشعر بغربة وبعد عنها، ومهما حاولنا التغيير والتأثير في هذه الدولة سيبقى دورنا محدودا. هناك خصومة كبيرة بيننا وبين الطبقة الحاكمة ولا يمكن تجميلها، وبالتالي هل يمكننا أن نكون جزءا من مكونات الحكومة الاسرائيلية.
لا يمكن الدوس على تاريخ طويل من الخصومة بين الشعبين وتجاهله. ومن يقترب من الحكومة انما يفعل ذلك لمصلحة شخصية ومنفعة ذاتية. صحيح أننا نعترف بالواقع ونريد أن نعيش ضمن هذا الواقع، وتحسين ظروف عيشنا قدر الامكان من أجل تطوير قرانا ومجتمعنا، لكن هناك ثوابت لا يمكن التخلي عنها. ولايمكن التخلي عن انتمائنا لشعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية".
القيامة: لقد عركت الحياة محمد زيدان، فكيف يرى ما يواجهه مجتمعنا من تراجع أخلاقي وتربوي في ظاهرة العنف والاجرام؟
زيدان: لا شك بأن ظروف الحياة تغيرت. وهناك سؤال يجب أن نطرحه على أنفسنا، كيف نستغل الحرية؟ اذا استخدمناها سلبا فان المشاكل ستولد وتزداد في مجتمعنا وهذا ما نشهده منذ سنوات للأسف. إن نكبة مجتمعنا الأخلاقية ليست وليدة صدفة، في وضعنا القائم ومنذ سنوات ونحن نشكل تهديدا ومصدر قلق لاسرائيل، فكان لا بد من العمل على تفكيك الوحدة الداخلية لشعبنا، من ضرب النسيج الاجتماعي والتكاتف العائلي، فوصلنا إلى التفكك العائلي الذي نلمسه ونعيشه لتسهيل السيطرة علينا من قبل أجهزة السلطة وأذرعها.

القيامة: ننتقل للحديث عن شخصيات تاريخية بارزة وأهمها الزعيم جمال عبد الناصر، كيف نظرت إليه في حياته؟
زيدان: الزعيم العربي جمال عبد الناصر أحبنناه كلنا، فهو شكّل أساس النهضة العربية الحديثة، ونشر التوعية القومية والعمل على الوحدة العربية المنشودة. لا يمكن انكار دوره الكبير في رفع منسوب الوعي الوطني لدينا، كنا نتغنى بدوره وشخصه. خطاباته شهدت ظاهرة غريبة، حيث كانت تخلو الشوارع من الناس، وتتوقف ضجة الأولاد عندما يلقي عبد الناصر خطابا، ويتحلق الناس حول أجهزة الراديو أو التلفزيون يتابعون خطاب الزعيم. كان شخصية فذّة، أحدث انقلابا على صعيد الشعوب، في المفاهيم والأفكار والجميع تأثر به.
القيامة: وعلى صعيد الداخل ربطت أبو فيصل علاقات صداقة وأخوة مع كثير من القيادات، وبشكل خاص رئيس بلدية الناصرة الأسبق، الشاعر توفيق زياد (أبو الأمين)، فماذا تذكر عنه؟
زيدان: ما زلت أذكر هيئته وصوته وروحه المرحة، ومن النوادر الخاصة أن يوما زارني أبو الأمين في بيتي وعندما غادر البيت، أخذني والدي جانبا وسألني: من أين تعرف هذا اليهودي العراقي؟! وقال ذلك لأنه لم يعرفه وظن من كلامه وهيئته أنه يهودي عربي. ومنه تعلمنا أن تجربتنا مع الدولة سلحتنا بالتجربة بالوعي العقلاني وليس العاطفي.
القيامة: نعود إلى بدايات نشاطك السياسي والوطني، وإلى عام 1954 بالتحديد، مالذي حدث في ذلك العام وشكل انطلاقتك في العمل الجماهيري؟
زيدان: في ذلك العام طمعت السلطة بأراضي بلدنا، وكفرمندا تقع على طرف سهل البطوف وتملك 50 ألف دونم، وتعتبر أراضيها من أفضل الأراضي خصوبة ومساحة. جاء موظفون حكوميون في تلك السنة وأخذوا يقيسون الأراضي والبيوت، ولم يدرك الأهالي معنى ذلك وتجاوبوا مع الموظفين.
وعندم سأل الأهالي الموظفين قالوا لهم: يمكنكم أن تختاروا أي بلد وان الحكومة ستدفع لكم تعويضا! هنا بدأت تتشكل معارضة لهذا الاجراء من أهالي القرية، وكان للنساء دور كبير، اللاتي وبعد اعتقال رجال وشباب القرية، لجأن إلى تناول روث البقر عن الأرض بعدما يجف وتقذف به الموظفين ورجال الأمن.
بلدنا مناضلة، ولو نجحوا في إزالة كفر مندا لنجحوا بازالة قرى البطوف جميعها.

القيامة: عملت مدرسا لموضوعي اللغة العربية والتاريخ لمدة 5 سنوات، وبعدها تم فصلك من العمل، على خلفية نشاطك السياسي، ماذا تحدثنا عن ذلك؟
زيدان: في العام 1973 انضم صديقان لي من القرية إلى تنظيم فلسطيني، وأطلعاني على الأمر كصديق لهما، وحاولا اقناعي بالانضمام لهما. لكني عملت على اقناعهما بأن هذا الطريق غير مجد ولن يؤدي إلى نتيجة عملية، وأنه علينا ان نحافظ على وجودنا والعمل بأساليب تضمن عدم التهور، لم يقتنعا وواصلا نشاطهما. وبعد مدة قصيرة تم القبض عليهما، وبعد محاكمة سريعة صدر الحكم بالسجن سبع سنوات بحقهما. فالتنظيمات الفلسطينية كانت وما زالت تعتبر بعرف السلطات الاسرائيلية والقانون الاسرائيلي أنها منظمات معادية للدولة، وبالتالي من ينضم لها يعتبر عدوا للدولة ويتم سجنه.
وعلم جهاز الأمن من جلال التحقيق معهما أني كنت على علم بمخططهما، وهكذا تم اعتقالي في المدرسة في آخر يوم تعليم في السنة الدراسية 30/6، وطلبت من عناصر الشرطة السماح لي بتوزيع الشهادات على أن أحضر للتحقيق بعدها، إلى أنهم رفضوا وساقوني للتحقيق، وأوقفوني لمدة شهرين لأني لم أبلّغ عن صديقيّ كما فصلوني من التعليم بعد ذلك، وكان المدعو أوري طون مسؤولا في وزارة المعارف عن التعليم العربي.
وعندما جرت انتخابات لمجلس القرية المحلي لأول مرة، توجه لي العديد من أبناء بلدي بطلب الترشح للمجلس، ورأوا في ذلك تقديرا منهم لموقفي والثمن السياسي الذي دفعته مقابل موقفي آنذاك. وهكذا ترشحت وتم انتحابي رئيسا للمجلس بثقة كبيرة من الأهالي، وقد خدمت رئيسا للقرية 3 دورات.
في نهاية اللقاء قدم رئيس تحرير "القيامة" الكاتب زياد شليوط بعض مؤلفاته للسيد محمد زيدان، الذي حياه على مبادرته.






