وفاءً لذكرى الشّهيد مشيل بحّوث كُتِبَتْ له الشّهادة بحُروف الخلود
الكاتب : مارون سامي عزّام
تُحيي شفاعمرو سنويًّا ذكرى شهداء تلك المجزرة البشعة التي نفّذها الإرهابي النتن نتان زادة في 4 آب 2005، وقد أُضيف هذا التّاريخ إلى محطّةٍ مفصليّة أخرى من تاريخ شفاعمرو العريق، القائم على الكفاح ضدّ أيّ معتدٍ غريب، كما تصدّى ركّابُ الحافلةِ، بأيديهم العارية المباركة، لهذا الإرهابي اليهودي. ومع كلّ عام، يحفر الأسى أخاديدَ الأحزان العميقة في وجداننا، ونسمع صدى الآلام الحارقة لفقدان أربعة ضحايا، لا ذنب لهم سوى أنّهم أرادوا العودة إلى منازلهم للرّاحة، لكنّ القدر ساقهم إلى الرّاحة الأبديّة عنوةً.
لقد وُضِعَت الأكاليل أمام النصب التذكاري عند دوّار الشُّهداء، وامتلأ بالحضور، إحياءً لذكرى الشّهداء: مشيل بحّوث، نادر حايك، دينا وهزار تُركي، الذين أصبحوا شموعًا للذّاكرة الجماعيّة تضيء سماء شفاعمرو بنور ذكراهم. لن تجف دماء هؤلاء الضّحايا؛ ستبقى تجري بين دروب أحاديثنا مع حلول ذِكراهم، لكنّها بنظري لم تعد كذلك، بل هي نداءٌ مُستعجَلٌ لرؤساء الدّولة بأن يتذكّروا هذه الكارثة الاجتماعيّة التي سبّبها تحريضهم الدّائم، بعد أن أصبح اللؤم اليهودي رسميًّا في هذه الدّولة.
أريد التوقّف عند الصّديق الشّهيد مشيل بحّوث، الذي خلّف وراءه دربًا طويلًا من الفراق، فرافقه المجتمع، وعائلته الشفاعمريّة الكبرى، بدموع الوداع إلى مثواه الأخير. أمّا أسرته، فما زالت تذكره مع كلّ إشراقة شمسه المُطلّة عليهم، وتستذكره في كلّ ليلٍ حالك السّواد، تشتدّ ظلمته، لانطفاء وهج حمايته لهم.

عرفتُ مشيل مذ كنتُ يافعًا... بحكم العلاقة العائليّة التي جمعتنا منذ زمنٍ بعيد. أحبّه الناس كابن بلدٍ شهم، مُحبٍّ لأحيائها وطوائفها، وأجمعوا على أصالته وإنسانيّته، لانتمائه العميق إلى شفاعمرو. ترسَّخَت ثقة النّاس به، من خلال تعامله الوديع معهم... كانت لهفةُ لقائه بأقاربه وأصدقائه مفعمة بالصدق، تتَّسم بالسلاسة، دون أيّ تكلّف، لأنّ أخلاقه كانت تشهد له بذلك، ممّا أهّلته ليكون محبوبًا في كافة المدن والقرى المجاورة، بحكم عمله سائقًا للحافلات.
كان الاحترام زيّه الرّسميّ أثناء عمله، فتعامل مع ركّابه بمنتهى الذوق، نشأت بينه وبينهم علاقة ود قويّة، أعطى كل واحد فيهم المعاملة اللائقة والكاملة. لن أنسى علاقاته الفريدة مع زملائه، الذين ما زالوا يذكرونه إلى هذا اليوم، متحسّرين على تلك الفترة الجميلة التي أمضوها برفقته. كان مزاحه اليومي لقمته طوال الوقت، فبدونه لا يشعر أنه ممتلئ بالتفاؤل.
"ميخا"... هذا اللقب كان محببًا إليه، شخصيته المرحة أضفت جوًّا لطيفًا على كل من عرفه، تمتّع بحضورٍ خفيف الظّل، جَمَع في ملامحه الطيبة محبّة الآخر، وحرصه على أصدقائه. ما زالت صورته موجودة على طاولة ذاكرتي، أتذكَّر عندما كان يقول لي من نافذة الحافلة كلامه النّدي الممزوج ببضع كلمات إنجليزيّة ترحيبيّة. هذا هو مشيل الإنسان، صاحب القلب الكبير، الذي رحَّب دائمًا بجيرانه، واطمأن لأحوالهم. فتحت له ابتسامته باب السّلام الدّاخلي، ولكن... مشيئة الرّب كَتَبَت له الشّهادة بحروف الخلود







