بعد عامٍ من غياب زياد الرحباني

الكاتب : د. يوسف حنا – الناصرة – طبيب ومترجم وشاعر

بعد عامٍ من غياب زياد الرحباني

 

منذُ عامٍ...

والبيانو

يعزفُ مفاتيحَه

كأنَّهُ يبحثُ

عن الأصابعِ التي كانت

تُوقِظُ الصمتَ

من نومِهِ.

منذُ عامٍ...

والشوارعُ

تمشي على عكّازِ صداها،

والمقاهي

تضعُ فنجانًا إضافيًّا

لرجلٍ

يتأخَّرُ دائمًا

ولا يأتي.

بدأَ الرجلُ

يتحدَّثُ وحدَه.

لم يكن يكلِّمُ الجدرانَ،

بل كان يُصلحُ

الشقوقَ

التي أصابتِ الهواء.

كان يقولُ:

إنَّ الوطنَ

ليس علمًا

يُرفرفُ فوقَ الخراب،

بل نافذةٌ

لا تخافُ

أن يدخلَ منها السؤال.

ثمَّ يضحكُ...

فتتساقطُ

من ضحكتِه

مساميرُ كثيرةٌ

كانت تُثبِّتُ

سماءً من كذب.

كلُّ شيءٍ

صار يتحرَّكُ

داخلَ ظلالٍ

لا تعرفُ

أصحابَها.

المدينةُ

تبدو أصغرَ

كلَّما اتَّسعَ الغياب،

والأغنياتُ

تجلسُ

على أرصفةِ الذاكرة،

تمسحُ الغبارَ

عن وجوهِها،

وتنتظرُ

من يوقظُ فيها

العصبَ الأخير.

في تلك الليلةِ

لم تمتِ الموسيقى...

هي فقط

نزعتْ معطفَها

وجلستْ

صامتةً

إلى جوارِ البيانو.

أمَّا الدماغُ،

فما زال يحترقُ

كشمسٍ

وجدتْ نفسَها

محبوسةً

في غرفةٍ

بلا نوافذ.

وأمَّا القفرُ...

فلم يعدْ صحراءَ،

بل صار

الفراغَ

الذي يتركهُ

صوتٌ

كان يعرفُ

كيف يجعلُ

الحقيقةَ

تبتسمُ

قبل أن تجرحَنا.

بعد عامٍ...

ما زالَ

الرجلُ

يتحدَّثُ وحدَه.

لكنَّنا

كلَّما أصغينا

جيِّدًا،

اكتشفنا

أنَّه

لم يكن

وحيدًا...

بل نحنُ

الذين تأخَّرنا

عامًا كاملًا

لنلحقَ

بصوتِه.