الايكونوموس إلياس العبد لـ "القيامة": المجتمع في كرب عظيم لكنه يتظاهر كأنه قوي ونحن أضعف الناس
القيامة - تعود الأعياد الميلادية في هذا العام وقد عادت أجواء الفرح والبهجة اليها، حيث شهدت البلاد والمنطقة عودة الاحتفالات باضاءة شجرة الميلاد واقامة أسواق الميلاد واستعداد مئات العائلات للسفر خارج البلاد لقضاء عطلة الأعياد. هناك من يرى بأن الاحتفالات تعكس أجواء التفاؤل والأمل الى نفوس الناس التي تعبت وأرهقت تحت طائلة كورونا من ناحية والحرب على غزة من ناحية أخرى وما تبعهما من أزمات مالية واقتصادية، وهناك من يرى بأن ما نراه هو أمل ظاهري ويحتاج إلى الايمان لتعزيزه، كما يقول قدس الأب الايكونوموس إلياس العبد، النائب الأسقفي العام في أبرشية عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل للروم الكاثوليك في لقاء خاص بمناسبة الأعياد مع موقع "القيامة"، أجراه رئيس التحرير.
القيامة: تعود أعياد الميلاد هذا العام مع عودة الاحتفالات الشعبية، بعد سنوات من الصمت والترقب، كيف تصف لنا هذه الأجواء وماذا يميزها من وجهة نظرك؟
الأب إلياس: عامان مرا بصعوبة وضيق على كل البلاد والمنطقة. تعود في هذا العام أجواء الفرح والاحتفالات العامة، لكن نرى أن الخوف ما زال يقبع في نفوس الناس، وهناك الترقب والوجل وزد على ذلك الضائقة المالية والاجتماعية والسياسية، ومن يقارن ما كان قبل ثلاث سنوات وحتى اليوم يستنتج بأنه في فترة الكورونا كان الوضع أفضل مما هو عليه اليوم. تعود الناس الى الاحتفال وهي ترغب بذلك، لكن تعود الى ابراز مظاهر الفرح وليس الاستقرار كما يفترض، لا تعود الى الجوهر، السلام، المصالحة جوهر الانجيل وكلمات وبشارة الملاك مجد الله في العالي الذي أرسل لنا السيد المسيح، له المجد. هناك فرح للرعاة والفقراء وأمل لكن انتظر الرجاء، لكن الرجاء اليوم غائب، أتعس الناس من يعيش بلا أمل، الناس غير واثقة منه ولهذا يتظاهرون بالفرح وهم في قمة التعاسة والخوف. في الكريسماس ماركت نظرت الى عيون الناس والى سلوكياتها، ورأيتها تعود صبيانية، تفرح لوليمة ما وكأس وضحكة مصطنعة. جيدة مظاهر الفرح وهي سمة المؤمن، لكن هذا الفرح مشوب بالخوف والضعف الداخلي، لأن الفرح لا يأتي من مظاهر، بل من ايمان بأن على الأرض السلام، وهذا فرح الملائكة الذي نحتاجه.

القيامة: لكن الناس تبقى في حاجة الى الفرح حتى لو كان شكليا للخروج من حالة القلق والترقب...
الأب إلياس: صحيح أن الناس تحتاج الى احتياجاتها البيولوجية، حسب سلم ماسلو، من طعام وشراب ونوم وقضاؤ حاجات. والأمر الثاني هو الشعور بالأمان وهذا ما تفتقده العائلات فهي ليست بأمان، المدارس ليست بأمان، التربية ليست بأمان وحالة البلاد عامة. الحالة الاجتماعية الرديئة من التعدي والسطو، أمراض مجتمعنا بالعنف المستشري والجريمة والخاوة، هنالك مستقبل قاتم ما زال ينتظر الحلول، والحلول لا تأتي من الناس الضعيفة من أبناء المجتمع ابتداء من السلطة وأذرعها، وعلينا أيضا أن نعمل بمسؤولية. المجتمع في كرب عظيم لكنه يتظاهر كأنه قوي ونحن أضعف الناس. أما الناس الذين بهم المسرة، وهي ثالث عبارة قالها الملاك، هل نحن في سرور وتناغم مع بشارة الملاك لنعيد المجد لله في الأعالي؟ كيف سنصل الى الفرح الحقيقي؟
عيد الميلاد ليس للمسيحيين فقط، هذا يفقد من صاحب العيد الذي جاء انسانا لكي يعيد للانسان ما فقده في حياته. اليوم الكنيسة مع الضعيف والمسجون. لقد تحول العيد الى المظاهر والطعام والشراب، اطلبوا أولا ملكوت الله وبره وكل ما ذلك يزاد لكم.

القيامة: الحضور المسيحي في تناقص، موجات هجرة جدديدة هربا من العنف والجريمة والاعتداءات عليهم وعلى أملاكهم وطلبا للأمان، ما هي رسالة الكنيسة لهم ليبقوا في الأرض المقدسة التي ولد فيها السيد المسيح؟
الأب إلياس: من الصعب تجاهل الواقع. صعب عليّ ولا يمكنني الطلب من أي شخص أن يبقى هنا ويخاطر بأملاكه وعائلته. هناك استضعاف للوجود المسيحي في البلاد، ربما على خلفية أنهم أقلية أو أنهم عصاميين ونجحوا في أعمالهم، أو يملكون حضارة بعيدة عن القتل والثأر. لكن هذا لا يبرر الاعتداءات على الأقلية، التي حافظت على الحضارة لقرون عديدة وعلى الناس بمؤسساتها ومساعداتها، منذ أزمان بعيدة وقفت الكنيسة مع كل الناس تساند وتدعم وترعى الآخر. الأقلية المسيحية تاج على رأس كل بلادنا وما أبقيناه هنا من رجال مجتمع وسياسة وأخلاق، الغالبية منها تربت في مدارسنا ونهلوا من التربية والقيم، لذا نريد أن نسمع صوتهم ومحبتهم وأن يعيدوا الأمل. العيد لا يقتصر على المسيحيين انما لكل صاحب صوت من ذوي الارادة الصالحة، وان كان صوته ضعيفا يبقى الحق قوي.
اننا عبرنا تاريخيا ظروفا صعبة جدا في كافة الأنظمة والحكومات، لكن صمدنا وكنا في ريادة هذا المجتمع على كافة الأصعدة وما زلنا، ويجب المحافظة على هذه الأقلية. نمر في ظروف تتطلب الكثير من الأمل والهدوء ونوع من التفكير والتأمل. نحن نناشد الجميع بعدم ترك الأراضي المقدسة وأن يتحملوا، فأي بلد يذهب اليه سيكون غريبا حتى لو شعر انه قريب منه، فالغريب في بلاده أفضل من الغربة في الخارج. وكنائسنا حنونة على أولادها ومقابرنا أوطان بمن سبقونا، نحن أبناء المجتمع ولنا فيه حقوق مشروعة.

القيامة: ما هي رسالتكم للمحتفلين ولكافة الناس في هذه الأعياد؟
الأب إلياس: الميلاد هو رسالة ونور، وهذا النور فرح به الجميع الغني والفقير، لهم الرجاء والفرح والأمل. نحن ككنيسة نرى أن ميلاد السيد المسيح نور، وهو فرصة لتجديد قلب كل انسان بالنور، فالسيد المسيح هو رسول السلام في كل الديانات، يعطي نور الحق والحقيقة لكل الناس.
ندعو أبناءنا أن يحضروا الى الكنائس ليشاركوا في الصلوات، لتكون فرصة لقاء بروح الانفتاح وروح العيد، لتكون فرصة لجميع الناس للمسامحة والمصالحة. وبهذه المناسبة نود أن نرسل محبتنا وأخوتنا وموقفنا، موقف السلام والعيش المشترك مع جميع الديانات والناس الذين حولنا ومعنا وانها فرصة ان نفرح ونفكر سوية في مستقبل أفضل لكل أبنائنا في هذا الوطن الغالي.







