شكيب جهشان، مواقف وبرقيات

الكاتب : فتحي فوراني – مرب وكاتب - حيفا

القيامة - كلمة الأستاذ فتحي فوراني التي ألقاها في أمسية إحياء ذكرى الشّاعر شكيب جهشان، في قاعة كنيسة مار يوحنا المعمدان للروم الأرثوذكس في حيفا، وبدعوة من "نادي حيفا الثّقافيّ"، يوم الخميس 8 شباط 2024.

شكيب جهشان، مواقف وبرقيات

من صباحات قرية صغيرة في أقصى الشمال، طلع ذلك الشاب الوسيم، واستقر به القرار في القرية الكبيرة، ناصرة البشارة، وما إن أنهى المرحلة الثانوية، طالبًا في الثامنة عشرة من عمره، حتى استفاقت المؤسسة التعليمية والتربوية في المرحلة الثانوية، فاختطفته، ووضعته نيشانًا على صدرها!

لم يكد ينهي الصف الثاني عشر مرتديًا زيّ اللباس الموحد، حتى وقف أمام طلاب الثاني عشر مربيًا ذا قامة تشع شموخًا وبهاء وكبرياء، وأستاذًا للغة القومية، اللغة العربية.

أرأيتم كيف يتحول الطالب الثانوي غضّ الإهاب إلى رجل يتمتع بقامة تربوية قيادية في رمشة عين؟

عبر الأثير ومن ناصرة البشارة يطل شكيب جهشان، ويقول: مساء الخير. إفتح على قناة L B C. ونتحدث بعد ذلك. وأقفل الخط، كان لقاء مع رنا قباني طليقة محمود درويش، وهي فتاة جمعت المجد من أطرافه، ذكية ومثقفة وجميلة. وبعد نهاية المقابلة يتصل شكيب ويقول لي: رنا قباني ومحمود درويش يغرفان من نبع واحد، ومنسوب الإيجو عند الاثنين عال جدًّا، ولهذا اختلف مسرى النهرين.. ولا أستغرب لماذا تغيرت الاتجاهات ووجد كل منهما طريقه الخاص.

قواعد اللغة العربية من أجمل وأرقى فنون اللغة العربية. البعض يراها كابوسًا ويعلن الحرب على سيبويه وغيره من أبطال الصرف والنحو، بدعوى الصعوبات والتعقيدات في المنصوبات. ورغم الجهود التي بُذلت في التبسيط فقد اختلفت قناعاتنا..عارضنا قوانين القبيلة وأعلنا العصيان النحوي وحافظنا على العلاقة الطيبة مع مصطفى أمين وعلي الجارم، وبقي نحونا نحوًا واضحًا ينساب كالماء الزلال. وكان شكيب جهشان النصراوي وصديقه الحيفاوي يسيران على طريق "النحو الواضح"..رغم عتاب بعض الإخوة المسؤولين.

قبل عشرين عامًا كان لي الشرف أن أشرف على المنبر الثقافي في صحيفة "الاتحاد". ونشرت الصحيفة قصيدة للشاعر السوري علي أحمد سعيد (أدونيس). في اليوم التالي وفي ساعات المساء جاء الهاتف من مدينة البشارة لكي يبشرني أن القصيدة معقدة وغامضة وكان الدخول إلى خباياها وأسرارها ضربًا من المستحيل. وبقي السؤال معلقًا منذ أكثر من عشرين عامًا، يبحث عن المفاتيح الضائعة.

هل أحدثكم عن العشيقة السرية؟ كان لنا عشيقة سرية واحدة، متنا فيها عشقًا.. وطارحناها الغرام! العشيقة ليست سرية تمامًا، فقد كانت معروفة على الملأ وتعرفها الدنيا كلها، وقد نذرنا حياتنا، لكسب ودّها ورضاها، وكشف أسرار الجمال المختبئ في عينيها الكحيلتين.. ومن هناك أطل الدّر الكامن في أعماق محيطاتها الزرقاء..

لقد عشقنا اللغة العربية، وضحّينا بأحلى سنوات العمر وقدمناها قربانًا على مذبح الأبجدية.

أخيرًا لا بدّ من ختام يضوع مسكًا، للغة العربية عاشق فرنسي ومستشرق اسمه أندريه رومان. في محاضرة له عن اللغة العربية ألقاها في جامعة فاس في المغرب وأمام ألف من طلاب الجامعة ومحاضريها قال العاشق الفرنسي عالم اللغويات: إن اللغة العربية أعظم لغة في العالم. واسمحوا لي أن أختم بسؤال استفزازي!

هل تشعر الأجيال الصاعدة من بني يعرب بعظمة هذه اللغة كما يشعر بها الفرنسي أندريه رومان؟ أرجو ذلك..أرجو ذلك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.